المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٠٦ - محاسن الشجاعة
فلما قدموا به على الحجاج أمر فألقي في حيّز و أجيع ثلاثا، ثم بعث إلى جحدر فأخرج و أعطي سيفا و دلي عليه فمشي إلى الأسد و أنشأ يقول:
ليث و ليث في مكان ضنك # كلاهما ذو أنف و محك
و صولة في بطشة و فتك # إن يكشف اللّه قناع الشكّ
و ظفرا بجؤجؤ و برك # فهو أحقّ منزل بترك
الذئب يعوي و الغراب يبكي
حتى إذا كان منه على قدر رمح تمطى الأسد و زأر و حمل عليه فتلقاه جحدر بالسيف فضرب هامته ففلقها و سقط الأسد كأنه خيمة قوضتها الريح، فانثنى جحدر و قد تلطخ بدمه لشدة حملة الأسد عليه، فكبر الناس فقال الحجاج: يا جحدر إن أحببت أن ألحقك ببلادك و أحسن صحبتك و جائزتك فعلت بك، و إن أحببت أن تقيم عندنا أقمت فأسنينا فريضتك، قال: اختار صحبة الأمير، ففرض له و لجماعة أهل بيته و أنشأ جحدر يقول:
يا جمل إنك لو رأيت بسالتي # في يوم هيج مردف و عجاج
و تقدّمي لليث ارسف نحوه # حتى أكابده على الاحراج
جهم كأن جبينه لما بدا # طبق الرّحى متفجر الأثباج
يرنو بناظرتين تحسب فيهما # من ظن خالهما شعاع سراج
ششن براثنه كأن نيوبه # زرق المعاول أو شذاة زجاج
و كأنما خيطن عليه عباءة # برقاء أو خلق من الديباج
قرنان محتضران قد ربّتهما # أم المنية غير ذات نتاج
و علمت إني إن أبيت نزاله # إني من الحجاج لست بناج
فمشيت أرسف في الحديد مكبلا # بالموت نفسي عند ذاك اناجي