المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٥٢ - محاسن الغيرة و الحجاب
الانصراف إلى نسائك أو المقام هنا، فاختر المقام، و أخبره أنك لا تقدر على الحركة، فإن أجابك إلى ذلك، جئت من أول الليل، فأكون معك إلى آخره.
فسكن الرقيع إلى قولها، و انصرفت الجارية، فأخبرت الملك بكل ما دار بينهما؛ فلما كان الوقت الذي وعدته أن يخرج الملك فيه، دعاه الملك فقال للرسول: «أخبره أني عليل» ، فلما جاءه الرسول و أخبره، تبسّم و قال:
«هذا أول الشرّ» . فوجّه إليه محفّة يحمل فيها، فأتاه و هو معصب، فلما بصر به، قال: «و المحفة الشّرّ الثاني» ، فتبيّن العصابة فقال: «و العصابة الشر الثالث» . فلما دنا من الملك، سجد، فقال له: «متى حدثت بك هذه العلة» ؟قال: «هذه الليلة» . قال: «فأي الأمرين أحبّ إليك:
الانصراف إلى نسائك لتمريضك، أم المقام هنا لوقت رجوعي» ؟قال:
«المقام هاهنا، أيها الملك، أوفق لقلّة الحركة» . فتبسّم أبرويز و قال:
«حركتك هاهنا، إن تركت، أكثر من حركتك في منزلك» . ثم أمر له بعصا الزناة التي كان يوسم بها من زنى، فأيقن الرجل بالشر، و أمر أن يكتب ما كان من أمره حرفا حرفا، فيقرأ على الناس إذا حضروا، و أن ينفى إلى أقصى مملكته، و تجعل العصا في رأس رمح يكون معه حيث كان، ليحذر من يعرفه منه.
فلما خرج الرجل من المدائن، متوجّها به نحو فارس، أخذ مدية كانت مع بعض الموكلين به، فجبّ بها ذكره، و قال: «من أطاع عضوا صغيرا من أعضائه أفسد عليه جميع أعضائه» ، فمات من ساعته.
و فيما يذكر عن أنوشروان أنه اتّهم رجلا من خاصته في بعض حرمه، فلم يدر كيف يقتله؟لا هو وجد أمرا ظاهرا يحكم بمثله الحاكم فيسفك به دمه، و لا قدر على كشف ذنبه لما في ذلك من الهوان على الملك و المملكة، و لا وجد عذرا لنفسه في قتله غيلة، إذ لم يكن في شرائع دينهم، و وارثة سلفهم، فدعا الرجل بعد جنايته بسنة في خلوة، فقال:
«قد حزبني أمر من أسرار ملك الروم، و بي حاجة إلى علمها. و ما أجدني