المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٩٨ - مساوئ البخل
عليك، فلم يذهب فقال: و اللّه لئن خرجت إليك لادقن رأسك، فقال ابن المقفع للسائل: ويحك لو عرفت من صدق و عيده ما أعرف من صدق وعده لم تزد كلمة و لم تقم طرفة عين!قال: و كتب إبراهيم بن سيابة إلى صديق له كثير المال يستسلفه، فكتب إليه: العيال كثير و الدخل قليل و المال مكذوب عليه. فكتب إليه: إن كنت كاذبا فجعلك اللّه صادقا، و إن كنت صادقا فجعلك اللّه معذورا. و كتب آخر إلى آخر يصف رجلا: أما بعد فإنك كتبت تسأل عن فلان كأنك هممت به أو حدثتك نفسك بالقدوم إليه فلا تفعل. فإن حسن الظن به لا يقع في الوهم إلاّ بخذلان اللّه، و الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلاّ بسوء التوكل على اللّه، و الرجاء فيما في يده لا ينبغي إلاّ بعد اليأس من رحمة اللّه. أنه يرى الإيثار الذي يرضي به التبذير الذي يعاقب عليه و الاقتصاد الذي أمر به الاسراف الذي يعاقب عليه، و إن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس و البصل بالمن و السلوى إلاّ لفضل اخلاقهم و قديم علمهم، و أن الصنيعة مرفوعة و الصلة موضوعة، و الهبة مكروهة، و الصدقة منحوسة، و التوسع ضلالة، و الجود فسوق، و السخاء من همزات الشياطين. و إن مواساة الرجال من الذنوب الموبقة و الأفضال عليهم من إحدى الكبائر. و أيم اللّه إن المرء في خصاصة نفسه و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، و من آثر على نفسه فقد ضل ضلالا بعيدا كأنه لم يسمع بالمعروف إلاّ في الجاهلية، الذي قطع اللّه أدبارهم و نهى المسلمين عن أتباع آثارهم و أن الرجفة لم تأخير أهل مدين إلاّ لسخاء كان فيهم و لا أهلكت الريح عادا إلاّ لتوسع كان منهم فهو يخشى العقاب على الاتفاق و يرجو الثواب على الأقتار و يعد نفسه خاسرا أو يعدها الفقر و يأمرها بالبخل خيفة أن تمر به قوارع الدهر و أن يصيبه ما أصاب القرون الأولى، فأقم رحمك اللّه مكانك و اصطبر على عسرك عسى اللّه أن يبدلنا و إياك خيرا منه زكاة و اقرب رحما.
و لبعض الكتاب: أما بعد فإن كثير المواعيد من غير نجح عار على المطلوب إليه و قلتها مع نجح الحاجة مكرمة من صاحبها، و قد رددتنا في حاجتنا هذه في كثرة مواعيدك من غير نجح لها حتى كأنا قد رضينا بالتعلل لها دون النجاح كقول القائل: