المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٢٨ - محاسن وفاء النساء
نفسها، فكيف بمن ذهب أبوها و أخوها، فبقي بعلها؟أ فتحبّ أن تهلكه؟ على أن مثلك، في رداءة همتك، و خبث نيّتك، مثل الغراب و الحمامة.
قال الملك: و ما كان من حديثهما؟قالت: «زعموا أن غرابا ألف مطبخا لبعض الملوك، فأخذ من أطيب اللحمان التي قد صارت فيه شيئا، فظنوا أن الغراب أخذه لقلة وفائه ، و لؤم جوهره، فطردوه عن مطبخهم، و قالوا: ما نرجو من هذا الغراب، و هو من الطيور التي تعاف، و يتطيّر منها؟؟فأفشى ذلك الغراب أمره إلى حمامة قد كان بينهما معرفة، و فزع إلى رأيها، و أخبرها ما كان فيه من نعيم المأكل و المشرب. فقالت له الحمامة:
أنطلق بي حتى تريني هذا المطبخ. فانطلق حتى أتى سطح المطبخ، فقالت الحمامة: إني أرى هذا البيت ليس فيه موضع مدخل، فاحفر لي بمنقارك قدر ما أدخل، فإن منقاري يضعف عن ذلك. فحفر الغراب في سقف البيت بمنقاره، فجعل لها خازن المطبخ موضعا تأوي إليه، فلبثت في ذلك البيت قريرة عين، فنادها الغراب: «ما هكذا قدرت فيك» . فقالت الحمامة: «لو وفيت لك، حلّ بي غدرك، و إن القوم عرفوا وفائي، و حسن جواري، و عرفوا غدرك، و قلة وفائك، و نكث عهدك» .
فهذا مثلي و مثلك، يا ابنة السائس!إني لو وفيت لك، أرداني غدرك، و قتلني مكرك» ! قالت ابنة السائس: «ايتها السيدة!إن الذي سمعت مني، كان لشدة الأنفة، فأردت أن أنفي عن نفسي الذي أردت من انكاحي خادمك فلانا» .
قالت الهندية: «لا بدّ من ذلك» . فقالت ابنة السائس: «من اعتاد معالي الأمور، لم تطب نفسه بأسافلها، الآن استعذبت الموت» ، فعمدت إلى سمّ كان معها، فقذفته في فيها، فخرّت ميتة، و وفت الهندية لزوجها، فأفلحا.
و منهنّ «شيرين» ، امرأة ابرويز، فإن شيرويه بن أبرويز، لما قتل أباه، و توطد له الملك، بعث إلى شيرين يدعوها إلى نفسه، فامتنعت عليه،