المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٣٠٠ - أخبار الشعراء
قلت: أنا قائلها. قالت: فمن الناهدة الثديين؟قلت: يا سيدتي، قد سبق في الليلة الأولى؛ و اللّه، ما هو مني قصد، و لا في جارية بعينها، و لكني رجل شاعر أحب الغزل و أقول في النساء. قالت: يا عدو اللّه، أنت قد فشا شعرك بالحجاز، و رواه الخليفة، و تزعم أنه لم يكن في جارية بعينها؟يا جواري، أدفعنه» . فوثبت الجواري، فأخرجنني و دفعنني إلى الجارية، فعجرتني، و قادتني إلى مضربي، فبتّ في ليلة كانت أطول من الليلة الأولى. فلما أصبحت، أمرت بخلوق، فضرب لي، و بقيت أرقب الوقت هائما؛ فلما كان وقت المساء، جاءتنى الجارية، فسلمت عليّ و قالت: «يا عمر!هل رأيت ذلك الوجه» ؟قلت: «أي و اللّه» ، قالت:
«أ فتحب أن أريكه الثالثة» ؟قلت: «إذن تكونين أعظم الناس عليّ منّة» .
قالت: «على الشريطة» ؟قلت: «نعم» . فاستخرجت المعجر، و عجرتني به، و قادتني حتى أتت بي المضرب، فلما توسطته، فتحت العصابة عن عيني، فإذا أنا في مضرب ديباج أخضر مدثر بحمرة، مفروش بخز احمر، و إذا أنا بالشمس الضاحية قد أقبلت من وراء الستر كحور الجنان، فسلمت عليّ و قالت: «أنت عمر بن أبي ربيعة، فتى قريش، و شاعرها» ؟قلت:
«أنا ذاك» !قالت: أنت القائل:
نعب الغراب ببين ذات الدّملج # ليت الغراب ببينها لم يشحج [١]
ما زلت أتبعهم و أتبع عيسهم # حتّى دفعت إلى ربيبة هودج
قالت: و عيش أخي، و حرمة والدي # لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج
فلثمت فاها آخذا بقرونها # شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج
فتناولت كفّي لتعرف مسّها # بمخضّب الأطراف غير مشنّج
قلت: «أنا قائلها» ، قالت: «يا عدو اللّه، أنت الذي فضحتها و نفسك، وجهي من وجهك حرام، إن عدت إليّ. يا جواري اخرجنه» ! فوثب إليّ الوصائف، و اخرجنني، و دفعنني إلى الجارية، فعجرتني
[١] الدملج: المعضد من الحلي. يشحج: يصوت. الشحيح صوت الغراب و البغل و الحمار.