المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١١٣ - محاسن الشجاعة
من ذلك فإن عفا عني الأمير رجوت أن لا يؤاخذني بغيره فأطلقه و وصله و رده إلى بلده.
و ضده، قال: دخل أبو زبيد الطائي على عثمان بن عفان في خلافته، و كان نصرانيا فقال له: بلغني إنك تجيد وصف الأسد. فقال له: لقد رأيت منه منظرا و شهدت منه مخبرا لا يزال ذكره يتجدد على قلبي. قال: هات ما مرّ على رأسك منه. قال: خرجت يا أمير المؤمنين في صيابة، من أفناء قبائل العرب ذوي شارة حسنة ترتمي بنا المهاري بأكسائها القزوانيات و معنا البغال عليها العبيد يقودون عتاق الخيل نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروّط [١] بنا المسير في حمارة القيظ حتى إذا عصبت الأفواه و ذبلت الشفاه و شالت المياه و اذكت الجوزاء المعزاء و ذاب الصيخد [٢] و صر الجندب و ضايق العصفور الضبّ في و جاره قال قائلنا: أيها الركب غوروا بنا في دوح هذا الوادي فإذا واد كثير الدغل دائم الغلل شجراؤه مغنة و أطياره مرنة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات فأصبنا من فصلات المزاود و أتبعناها بالماء البارد، فأنا لنصف حر يومنا و مما طلته إذ صر أقصى الخيل أذنيه و فحص الأرض بيده، ثم ما لبث أن جال فحمحم و بال فهمهم ثم فعل الذي يليه واحد بعد واحد فتضعضعت الخيل و تكعكعت [٣] الإبل و تقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله و ناهض بعقاله فعلمنا أن قد أتينا و أنه السبع لا شك فيه ففزع كل امرئ منا إلى سيفه و استله من جربانه، ثم وقفنا له رزدقا [٤] فأقبل يتطالع في مشيته كأنه مجنوب أو في هجار لصدره نحيط و ليلا غيمه غطيط و لطرفه وميض و لا رساغه نقيض كأنما يخبط هشيما أو يطأ صريما [٥] ، و إذا هامة كالمجن و خد كالمسن و عينان سجراوان [٦] كأنهما سراجان يقدان و قصرة [٧]
ربلة [٨] و لهزمة [٩] رهلة و كتد مغبط و زور مفرط و ساعد مجدول و عضد مفتول
[١] اخروط: أسرع.
[٢] الصيخود: الصخرة الصلبة.
[٣] تكعكعت الابل:
احجمت و تأخرت.
[٤] الرزدق: الصف، معرب.
[٥] الصريم: أكداس النخيل.
[٦] عين شجراء: محمرة أو مشربة بالحمرة.
[٧] القصرة: أصل العنق.
[٨] ربلة: كثيرة اللحم.
[٩] اللهزمة: اللحمية بين الخد و الأذن.