المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١١٢ - محاسن الشجاعة
عاصم بن كلبة السعدي، فشد عليه و أنشد يقول:
إنك يا عاصم بي لجاهل # إذ رمت امرا أنت عنه ناكل
إني كميّ في الحروب باسل # ليث إذا اصطك الليوث بازل
ضرّاب هامات العدى منازل # قتّال اقران الوغى مقاتل
ثم طعنه فقتله. و قال: يا فتيان، هل لكم في العافية؟و إلاّ فارس و فارس، فتقدم إليه آخر من أصحابي فقال له الغلام: من أنت؟فقال: أنا صابر بن حرقة. فشد عليه و أنشأ يقول:
إنك و الإله لست صابرا # على سنان يجلب المقادرا
و منصل مثل الشهاب باترا # في كف قزم يمنع الحرائرا
إني إذا رمت امرأ فآسرا # يكون قرني في الحروب بائرا
ثم طعنه فقتله. ثم قال: يا فتيان هل لكم في العافية؟و إلاّ فارس لفارس فلما رأيت ذلك هالني أمره و أشفقت على أصحابي فقلت: احملوا عليه حملة رجل واحد فلما رأى ذلك أنشأ يقول:
الآن طاب الموت ثم طابا # إذ تطلبون رخصة كعابا
و لا نريد بعدها عتابا
فركبت نعيمة فرسها و أخذت رمحها فما زال يجالدنا و نعيمة حتى قتل منا عشرين رجلا فاشفقت على أصحابي فقلت: يا غلام قد قبلنا العافية و السلامة. فقال: ما كان أحسن هذا لو كان أولا و نزلنا و سالمنا. ثم قلت: يا عامر بحق الممالحة من أنت؟قال: أنا عامر بن حرقة الطائي و هذه ابنة عمي و نحن في هذه البرية منذ زمان و دهر ما مر بنا إنسي غيركم، فقلت: من أين طعامكم؟قال: حشرات الطير و الوحش و السباع. قلت: إن معي مائة من الإبل موقرة متاعا فخذ منها حاجتك. فقال: لا أرب لي فيها و لو أردت ذلك لكنت أقدر عليه فارتحلنا عنه منصرفين. فقال الحجاج: الآن يا عدو اللّه طاب قتلك لغدرك بالفتى. قال: كان خروجي على الأمير أصلحه اللّه أعظم