المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٧٨ - محاسن القيادة
بن وهب قال: خرج محمد بن عبد الملك الزيات من عند الواثق و مزيد بن محمد بن أبي الفرج الهاروني وكيل عبد اللّه بن طاهر، فإذا بجارية حسناء في منظرة لها، فلما بصرت به و رأت موكبه، و كان جميلا طريفا، أومأت إليه السلام و أومأت بيدها إلى صدرها، فأعجب بها فلما صار إلى منزله، دخلت إليه، فرأيته بخلاف ما عهدت، و كان لا يكتمني شيئا فقلت: «ما لي أراك مدلها يا أبا الحسن» ؟قال: «رأيت شيئا أنا فيه مفكر» ، ثم أنشأ يقول:
وا بأبي مخضب # أومى إلينا بيده
أومى بها يخبرني # راحته في كبده
أنّ الضّنى في جسدي # يخبرني عن جسده
فليس للحاسد إلاّ # خصلة من حسده
ثم شرح لي القصة، ثم انصرفت من عنده، و وافيت مولى الجارية، فسألته أن يبيعها، فقال: «اشتريتها للأمير عبد اللّه بن طاهر، و ليس إلى بيعها من سبيل» ، فلم أزل به حتى اشتريتها بخمسين ألف درهم، و وجهت بها إليه، و كتبت إليه:
هذا محبّك مطويّ على كمده # عبرى مدامعه تجري على جسده
له يد تسأل الرّحمن راحتها # ممّا به، و يد أخرى على كبده
فقبلها، و حسن موقعها عنده، فولاني خراج ديار ربيعة، فأصبت فيها [ألف]ألف درهم.
قال السجستاني [١] : أرق الرشيد ذات ليلة، فوجه إلى عبد الملك الأصمعي، و إلى الحسين الخليع، فأحضر هما، و شكا إليهما مدافعة نومه، و شدة أرقه، و قال لهما: «عللاني بأحاديثكما، و ابدأ أنت يا حسين» .
قال: «نعم يا أمير المؤمنين!خرجت في بعض السنين منحدرا إلى البصرة،
[١] السجستاني (٢٤٨ هـ) هو سهل بن محمد بن عثمان الجشمي السجستاني من كبار علماء اللغة و الشعر، أخذ عنه المبرد، و ألف أكثر من ثلاثين كتابا منها المعمرين، و ما تلحن فيه العامة.