المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٣٨ - محاسن المفاخرة
جاءكم الفهة العيي الذي كان بين لحييه عقله، فقال عبد اللّه بن جعفر:
«مه، و اللّه لقد رمت صخرة ململمة تنحط عنها السيول، و تقصر دونها الوعول، لا تبلغها السهام، فإياك و الحسن إياك، فإنك لا تزال راتعا في لحم رجل من قريش، و لقد رميت فما برح سهمك، و قدحت، فما أورى زندك» . فسمع الحسن الكلام، فلما أخذ مجلسه قال: «يا معاوية لا يزال عندك عبد يرتع في لحوم الناس، أما و للّه لئن شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأمور، و تحرج منه الصدور» ثم أنشأ يقول:
أ تأمر يا معاوي عبد سهم # بشتمي و الملا منّا شهود
إذا أخذت مجالسها قريش # فقد علمت قريش ما تريد
أ أنت تظلّ تشتمني سفاها # لضغن ما يزول و لا يبيد
فهل لك من أب كأبي تسامي # به من قد تسامي أو تكيد
و لا جدّ كجدّي يا ابن حرب # رسول اللّه إن ذكر الجدود
و لا أمّ كأمّي من قريش # إذا ما حصّل الحسب التّليد
فما مثلي تهكّم بابن حرب # و لا مثلي ينهنهه الوعيد
فمهلا لا تهج منّا أمورا # يشيب لهولها الطّفل الوليد
و ذكروا إن عمرو بن العاص قال لمعاوية: «ابعث إلى الحسن بن علي فأمره أن يخطب على المنبر، فلعله يحصر، فيكون في ذلك ما نعيره به» .
فبعث إليه معاوية، فأمره أن يخطب، فصعد المنبر و قد اجتمع الناس، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: «أيها الناس من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن عم النبي، أنا ابن البشير النذير، السراج المنير، أنا ابن من بعثه اللّه رحمة للعالمين. أنا ابن من بعث إلى الجن و الإنس، أنا ابن مستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض رأسه من التراب، أنا ابن أول من يقرع باب الجنة، أنا ابن من قاتلت معه الملائكة و نصر بالرعب من مسيرة شهر» ، و أمعن في هذا الباب و لم يزل، حتى اظلمت الأرض على معاوية، فقال: «يا حسن قد