المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٨٠ - محاسن القيادة
سيدتي، فما وقوفك في الدهليز» ؟قالت: «هو طريقه، و هذا أوان اجتيازه» . قلت لها: «يا سيدتي، هل اجتمعتما في خلوة في وقت من الأوقات، أم حب مستحدث» !فتنفست الصعداء، و أرخت دموعها على خديها كطلّ على ورد، و أنشأت تقول:
و كنّا كغصني بانة وسط وردة # نشم جنى اللّذات في عيشة رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع # فيا من رأى فردا يحنّ إلى فرد
قلت لها: «يا هذه، ما بلغ من عشقك هذا الفتى» ؟قالت: «أرى الشمس على حائطهم أحسن منها على حائط غيرهم؛ و ربما أراه بغتة، فأبهت و تهرب الروح عن جسدي، و أبقى الأسبوع و الاسبوعين بغير عقل» ؛ قلت لها: «عزيز عليّ، و أنت على ما بك من الضنى و شغل القلب بالهوى، و انحلال الجسم و ضعف القوى، ما أرى من صفاء اللون، و رقة البشر، فكيف لو لم يكن بك من الهوى شيء، أراك كنت مفتنة في أرض البصرة» .
قالت: «كنت، و اللّه، يا شيخ، قبل محبتي لهذا الغلام، تحفة الدلال و الجمال و الكمال، و لقد فتنت جميع ملوك البصرة، و فتنني هذا الغلام» .
فقلت: «يا هذه، ما الذي فرّق بينكما» قالت: «نوائب الدهر، و أوابد الحدثان، و لحديثي و حديثه شأن من الشأن، و أنبيك أمري:
إني كنت أفصدت، في بعض أيام النيروز، فأمرت، فزين لي و له مجلس بأنواع الفرش، و أواني الذهب؛ و نضدنا الرياحين و الشقائق و المنثور و أنواع البهار، و كنت دعوت لحبيبي عدة من متظرفات البصرة، فيهن من الجواري، جارية «شهران» ، و كان شراؤها عليه من مدينة عمان ثمانمائة ألف درهم؛ و كانت الجارية ولعت بي، و كانت أول من أجابت الدعوة، و جاءتني منهنّ؛ فلما حصلت عندي، رمت بنفسها عليّ، تقطعني عضا و قرصا. ثم خلونا نتمزز القهوة إلى أن يدرك طعامنا، و يجتمع من دعونا، فتارة هي فوقي، و تارة أنا فوقها، فحلمها السكر على أن ضربت يدها على تكتي فحلتها، و نزعت هي سراويلها، و صارت بين فخذيّ كمصير الرجال من النساء. فبينا نحن كذلك، إذ دخل عليّ حبيبي، و قد التزق قرطي