المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٨٢ - محاسن القيادة
الأعلى، و هو أشهر من أن يخفى» . ثم صاحت في الدار: «يا جواري، دواة و قرطاسا» !و شمّرت عن ساعدين كأنهما طومارا فضة، ثم حملت القلم و كتبت:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم، سيدي: تركي الدعاء في صدر رقعتي، ينبئ عن تقصيري، و دعائي، إن دعوت، يكون هجنة. فلولا أن بلوغ المجهود يخرج عن حدّ التقصير، لما كان لما تكلفته خادمتك من كتب هذه الرقعة معنى، مع إياسها منك، و علمها بتركك الجواب.
سيدي، فجد بنظرة، وقت اجتيازك في الشارع إلى الدهليز، تحي بها أنفسا ميتة أسرى؛ و اخطط بخطّ يدك، بسطها اللّه بكل فضيلة، رقعة فأجعلها عوضا من تلك الخلوات التي كانت بيننا في الليالي الخاليات التي انا ذاكرتها.
سيدي، أ لست لك محبة، و بك مدنفة؟فإن رجعت، مولاي، إلى الأشبه بك، و أنقذتني من عوارض التلف، كنت لك خادمة، و لك شاكرة» .
فلما فرغت من الكتاب، يا أمير المؤمنين، ناولتني إياه، فقلت لها:
«يا سيدتي، قد وجب حقك عليّ، و لزمتك حرمتي لطول وقوفي عليك.
و كنت قد سألت شربة ماء» . قالت: «استغفر اللّه، ما فهمنا عنك» . ثم صاحت في الدار: «أخرجن إلينا شرابا من ماء و غير ماء» . فما كان إلاّ أن أقبل ثلاثون وصيفة، بأيديهن الطاسات و الجامات و الأقداح، مملوءة ماء و ثلجا و فقاعا و شرابا، فشربت الماء ثم قلت: «يا سيدتي، مع قدرتك على هذا من استواء الحال، و كثرة الخدم و العبيد و الجواري، فلم لا تأمرين إحدى الجواري أن تقف مراعية للغلام، حتى إذا مرّ أعلمتك، فتخرجين إليه» ؟قالت: «لا تغلط يا شيخ» ، فتمثلت:
عبالة عنق اللّيث من أجل أنّه # إذا رام أمرا قام فيه بنفسه
ثم انصرفت عنها، يا أمير المؤمنين؛ فلما أصبحت غدوت على محمد بن سليمان فوجدت مجلسه محتفلا بالملوك و أبناء الملوك، و رأيت غلاما قد