المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٥٨ - محاسن الغيرة و الحجاب
«أجب المرهوق» ، قال: «و ما ذاك» ؟قال: «العجب كل العجب بين جمادى و رجب، و إني رجل من ضبة غصب أخ لي امرأة فخرج يستنقذها، فقتل، و قد عجزت عن قاتله» ، فخرج الخنيفس مغضبا، و أخذ رمحه، و ركب معه، فلما نحا به عن قومه، دنا منه، فقنعه بالسيف، فأبان رأسه.
و يقال أن أول من قال: «سبق السيف العذل» ضمضم ابن عمرو اللخمي، كان يهوى امرأة فطلبها بكل حيلة، فأبت عليه، و طلبها عزيز بن عبيد بن ضمضمة، فأتته و تأبت على ضمضم، و كان ضمضم من أشد قومه بأسا، فاغتاظ لذلك ليلة، و هو متقلد سيفه حتى صار بمكان يراهما إذا اجتمعا و لا يريانه، فلما نام الناس، و طال هدو ضمضم إذ العزيز قد أقبل على فرسه، و هو يقول:
أمام توليني و تأبى بنفسها # على ضمضم تعسا و رغما لضمضم
و ضمضم يسمع، فنزل و ربط فرسه، و مشى إلى ناحية خبائها، فصدح صدوح الهام، و كان آية ما بينهما، فخرجت إليه، فعانقها و ضمضم ينظر ثم واقعها، فلما رآها مشى إليهما بالسيف و هو يقول:
ستعلم أني لست أعشق مبغضا # فكان بنا عنها و عنك عزاء
و قتله، فعلم القوم بضمضم فأخذوه. فلما أصبح، أبرز إلى النادي ليقتل، فجعلوا يلومونه على قتله ابن عمه فقال: «سبق السيف العذل» .
و يقال أن أول من قال: «خير قليل و فضحت نفسي» فائرة امرأة مرة الأسدي، و كانت من أكمل النساء في زمانها، و كان زوجها غاب عنها أعواما، فهويت عبدا له حبشيا يرعى ابلها، فأمرته أن يحضر مضجعها، و كان زوجها منصرفا قد نزل تلك الليلة منها على مسيرة يوم، فبينا هو يطعم و معه أصحابه، إذ نعق غراب، فأخبره أن امرأته لم تعهر قط، و لا تعهر إلاّ تلك الليلة، فركب فرسه و مر مسرعا، و هو يرجو إن هو منعها تلك الليلة أمنها فيما بقي، فانتهى إليها حين قام العبد عنها، و ندمت و هي تقول: «خير قليل و فضحت نفسي» ، فسمعها زوجها و هو يرعد لما به من الغيظ، فقالت له: