المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٣٣ - محاسن المفاخرة
ناقته منه كهيئة المغضب فقال الأعرابي:
صادف درّ السيل درّ يدفعه # في هضبة ترفعه و تضعه
فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. قال عليّ كرم اللّه وجهه: فقلت: يا أبا بكر وقعت من هذا الأعرابي على باقعة [١] . قال: أجل يا أبا الحسن، ما من طامة إلاّ و فوقها طامة و إن البلاء موكل بالمنطق. قال: و أتى الحسن بن علي رضي اللّه عنهما معاوية بن أبي سفيان و قد سبقه ابن العباس رحمه اللّه فأمر معاوية بإنزاله فبينا معاوية مع عمرو بن العاص و مروان بن الحكم و زياد المدعى إلى أبي سفيان يتحاورون في قديمهم و مجدهم إذ قال معاوية: قد أكثرتم الفخر و لو حضركم الحسن بن علي و عبد اللّه بن عباس لقصروا من اعنتكم، فقال زياد: و كيف ذاك يا أمير المؤمنين و ما يقومان لمروان ابن الحكم في غرب منطقه و لا لنا في بواذخنا فابعث إليهما حتى نسمع كلامهما. فقال معاوية لعمرو: ما تقول في هذا الليل فابعث إليهما في غد، فبعث معاوية بابنه يزيد إليهما فأتيا فدخلا عليه و بدأ معاوية فقال: إني أجلكما و أرفع قدركما على المسامر بالليل و لا سيما أنت يا أبا محمد فإنك ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و سيد شباب أهل الجنة. فشكر له، فلما استويا في مجلسهما علم عمرو أن الحدة ستقع به فقال: و اللّه لا بد أن أتكلم فإن قهرت فسبيل ذلك و إن قهرت أكون قد ابتدأت. فقال: يا حسن إنا قد تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر على اللقاء و أمضى في الوغاء و أوفى عهدا و أكرم ضيما و أمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب، ثم تكلم مروان بن الحكم: فقال كيف لا يكون ذلك و قد قارعناهم فغلبناهم و حاربناهم فملكناهم فإن شئنا عفونا و إن شئنا بطشنا. ثم تكلم زياد فقال: ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله و يجحدوا الخير في مظانه نحن الحملة في الحروب و لنا الفضل على سائر الناس قديما و حديثا، فتكلم الحسن بن علي رضي اللّه عنه فقال: ليس من الحزم أن يصمت الرجل عن إيراد الحجة و لكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا و يصور الكذب في صورة الحق يا عمرو افتخارا بالكذب و جراءة على الإفك ما زلت أعرف
[١] الرجل الباقعة: الداهية لكثرة تنقله في البقاع.