المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٩٠ - أخبار الشعراء
«بينا أنا جالس، إذ جاءني خالد الخريت [١] ، فقال: يا أبا الخطاب!هل لك في هند و صواحبها، فقد خرجن إلى نزهة» ؟قلت: «و كيف لي بذلك» ؟قال: «تلبس لبسة أعرابي، و تعتمّ عمامة، و تركب مركبة كأنك ناشد ضالة» .
قال: ففعلت و جئت، حتى وقفت عليهن أنشد ضالتي، فقلن:
«انزل» ، فنزلت، و قعدت أحادثهن و أغازلهن؛ فلما رمت النهوض، قالت لي هند: «أجلس، لا جلست أنت. أ لا ترى أنك وقفت علينا غريبا؛ و نحن، و اللّه، وقفنا على غربتك. نحن بعثنا خالدا و خدعناه و أطعمناه في أنفسنا، حتى جاء بك» . فقال خالد: «صدقن و اللّه خدعنني و خدعنك» .
فجلست و تحدثنا، فأنشدتهن فقالت هند: يا سيّدي، لقد رأيتني منذ أيام، و قد أصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي في حبيبي، و نظرت إلى هني، فإذا هو ملء الكف و منية المتمني فناديت: (يا عمراه، يا عمراه) ! قال عمر: فقلت: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك، ثلاثا، و مددت في الثالثة صوتي، فضحكت؛ و حادثتهن ساعة، ثم ودعتهن و انصرفت، فذلك قولي:
عرفت مصيف الحيّ و المتربّعا # ببطن حليّات دوارس بلقعا
إلى السّفح من وادي المغمّس بدّلت # معالمه وبلا، و نكباء زعزعا
لهند و أتراب لهند إذ الهوى # جميع، و إذا لم نخش أن يتصدّعا
و إذ نحن مثل الماء كان مزاجه # إذا صفّق السّاقي الرّحيق المتشعشعا
و إذ لا نطيع الكاشحين و لا نرى # لواش لدينا يطلب الصّرم مطمعا
و قال عمر: ما رأيت يوما غابت عواذله، و حضرت عواذره، بأحسن من يومنا، و لا صبوة كصبوتنا، و لا قيادة كقيادة خالد، و لا أملح؛ و لقد وصفت ذلك في شعر، فقلت في تمام ما تقدم:
أتاني رسول من ثلاث حرائر # و رابعة يزكو لها الحسن أجمعا
فقلت لمطريهنّ في الحسن إنّما # ضررت، فهل تسطيع نفعا فتنفعا
[١] الخريت: الدليل الماهر.