المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٩١ - أخبار الشعراء
لئن كان ما حدّثت حقا لما أرى # كمثل الألى أطريت في الناس أربعا
و هيّجت قلبا كان قد ودّع الصّبا # و أشياعه، فاشفع عسى أن تشفّعا
فقال: تعال انظر فقلت: فكيف لي # أخاف مقاما أن يشيع و يشنعا
فقال: اكتفل، ثم التثم و أت باغيا # فسلّم و لا تكثر بأن تتورّعا
فإنّي سأخفي العين عنك و لا ترى # مخافة أن يفشو الحديث فيسمعا
فأقبلت أهوي مثل ما قال صاحبي # لموعده أزجي قعودا موقّعا
فلمّا توافقنا، و سلّمت، أشرقت # وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا
تبالهن بالعرفان لمّا عرفنني # فقلن امرؤ باغ أضلّ و أوضعا
فلمّا تنازعن الأحاديث قلن لي: # أخفت علينا أن نغرّ و نخدعا
فما جئتنا إلاّ على وفق موعد # على ملاء منّا خرجنا له معا
رأينا خلاء من عيون و مجلسا # دميث الثّرى سهل المحلّة ممرعا
و قلن: كريم نال وصل كرائم # و حقّ له في اليوم أن يتمتّعا
و فيهنّ هند تكمل الهمّ و المنى # و إخداع عيني كلّما رمت مهجعا
قال: و لما أنشد عمر بن أبي ربيعة، ابن أبي عتيق، قصيدته التي فيها يقول:
فأتتها طبّة عالمة # تخلط الجدّ مرارا باللّعب
ترفع الصّوت إذا لانت لها # و تراخي عند سورات الغضب
قال ابن أبي عتيق: امرأتي طالق إن لم يكن الناس في طلب مثل هذه، منذ قتل عثمان، يجعلونها خليفة، فلم يقدروا عليها، و أنت تريدها قوادة. قال: و لما هجا كثير بني ضمرة، فقال:
و يحشر نور المسلمين أمامهم # و يحشر في أستاه ضمرة نورها
اشتدت بنو ضمرة عليه و على عزة، و أرادوا قتله، و وضعوا له العيون، فمكث شهرا لا يصل إليها، فالتقى جميل و كثير، فشكى أحدهما إلى صاحبه ما يلقى، فقال جميل: أنا رسولك إلى عزّة، فأخبرني بما كان بينكما.