المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٤٠ - حديث الزباء
فأجابها قصير سرا:
«بل الرّجال جثما قعودا»
فقال: «لما عليها من المتاع الثقيل النفيس» . فأمرت بالأحمال، فأدخلت قصرها، و كان وقت المساء، فقالت: «إذا كان غدا نظرنا إلى ما أتيتنا به» .
فلما جنّ عليهم الليل، فتحوا الجواليق، و خرجوا، فقتلوا جميع من في القصر. و كان لها سرب قد أعدته للفزع و الهرب، إن حلّ بها روع، تخرج إلى الصحراء؛ و قد كان قصير عرف ذلك المكان، و وصفه لعمرو، فبادر عمرو إلى السرب، فاستقبلته الزبّاء، فولت هاربة نحو السرب، فاستقبلها بالسيف، فمصّت فصّها، و كان مسموما، و قالت: «بيدي لا بيدك يا عمرو، و لا بيدي العبد» ، فقال عمرو: «يده و يدي سواء، و في كليهما شفاء» ، و ضربها بسيفه حتى قتلها؛ و أقبل قصير حتى وقف عليها، فجعل يدخل سيفه في فرجها و يقول:
و لو رأوني و سيفي يوم أدخله # في جوف زبّاء ماتوا كلّهم فرحا
و غنم عمرو و أصحابه من مدينتها أموالا جليلة، و انصرفوا إلى الحيرة، فكان الملك، بعد خاله جذيمة، و عمرو هذا هو جد النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي.
و منهنّ صاحبة الجعد بن الحسين أبي صخر بن الجعد، و كان جعد قد طعن في السن، و كان يكنى أبا الصموت، و كانت له وليدة سوداء، فقالت: «يا أبا الصموت!زعم بنوك أن يقتلوني إذا أنت متّ» ، قال: «و لم ذاك» ؟قالت: «ما لي إليهم ذنب غير حبك، فأعتقني» ، فأعتقها، فبقيت يسيرا، ثم قالت: «يا أبا الصموت!هذا عرابة من أهل عدن يخطبني» !قال: «ما كان هذا ظني بك» ، قالت: «إنما أريد ما له لك» ، فقال: «ائتيني به» ، فجاءت به، فزوّجها منه، فولدت منه، و قربته من مال جعد، و كانت تأتي الجعد، فتخضب رأسه، ثم قطعته، فقال الجعد: