المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٥١ - محاسن الغيرة و الحجاب
و للعين ملهى بالنّساء و لم يقد # هوى النّفس شيء كاقتياد الطّرائف
و كانت الأكاسرة إذا امتحنت الخاصة من أصحابها، و خف الواحد عنهم على قلب الملك، و كان الرجل عالما بالحكمة، موضعا للامانة في الدماء و الفروج و الأموال على ظاهره، فيأمره أن يتحول إلى منزله، و أن تفرغ إليه حجرة، و أن لا يتحول إليه بامرأة و لا جارية، و لا حرمة، و يقول له: أريد بك الانس في ليلي و نهاري، و إن كان معك بعض حرمك قطعك عني فاجعل منصرفك إلى منزلك في كل خمس ليال، فإذا تحول الرجل أنس به، و خلا معه، و كان آخر من ينصرف من عنده، فيتركه على هذه الحالة أشهرا.
امتحن ابرويز رجلا من خاصته بهذه المحنة، ثم دس إليه جارية من بعض جواريه، و وجه معها إليه بألطاف و هدايا، و أمرها أن لا تقعد عنده في أول مرة، فأتته بألطاف الملك، و قامت بين يديه، و لم تلبث إن انصرفت حتى إذا كانت المرة الثانية، أمرها أن تقعد هنيهة، و أن تبدي عن محاسنها حتى يتأملها ففعلت، و لا حظها الرجل و تأملها، و جعل الرجل يحد النظر إليها، و يسر بمحادثتها، و من شأن النفس إن تطلب بعد ذلك الغرض من هذه المطايبة، فلما أبدى ما عنده، قالت: أخاف أن يعثر علينا و لكن دعني حتى أدبر في هذا ما يتم به الأمر بيننا، ثم انصرفت فأخبرت الملك بذلك، و بكل شيء جرى بينهما، فلما كانت المرة الثالثة أمرها أن تطيل القعود عنده، و إن تحدثه، و إن أرادها على الزيادة في المحادثة أجابته إليه ففعلت، و وجه إليه أخرى من خواص جواريه، و ثقافتهن بألطافه و هداياه، فلما جاءت قال لها: ما فعلت فلانة؟قالت: اعتلت فار بدّ لون الرجل، ثم لم تطل القعود عنده كما فعلت الأولى، ثم عاودته فقعدت أكثر من المقدار الأول، و أبدت بعض محاسنها، حتى تأملها، و عاودته في المرة الثالثة، و أطالت القعود و المضاحكة و المهازلة، فدعاها إلى ما في تركيب النفس من الشهوة، فقالت: أنا من الملك على خطى يسيرة، و معه في دار واحدة، و لكن الملك يمضي بعد ثلاث إلى بستانه الذي بموضع كذا، فيقيم هناك، فإن أرادك على الذهاب معه، فأظهر أنك عليل و تمارض، فإن خيّرك بين