المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٥٧ - محاسن الغيرة و الحجاب
الفطيون، مال مالك إلى خزانة في ذلك البيت، فدخلها، فلما خرج النساء و دخلت المرأة قام إليها ليفترعها، فخرج إليه مالك بالسكين فوجأه فقتله، ثم قال لليهود: «دونكم جنوده فاقتلوهم» . فاجتمعت عليهم فقتلوهم عن آخرهم.
و منه أخبار و أمثال: ذكروا أن أول من قال العجب كل العجب بين جمادى و رجب عاصم بن المقشعر الضبي، و ذلك أن الخنيفس بن خشرم كان أغير أهل زمانه و أشجعهم، و كان لعاصم أخ يقال له عبيدة، عزيز في قومه، فهوي امرأة كانت تأتي الخنيفس، فبلغ الخنيفس ذلك، فتواعده عبيدة و ركب الخنيفس فرسه و أخذ رمحه و أنطلق يتربص عبيدة، حتى وقف على ممره فأقبل عبيدة و قد قضى من المرأة و طرا، و هو يقول:
ألا إنّ الخنيفس فاعلموه # كما سمّاه والده لعين
بهيم اللّون محتقر ضئيل # لئيمات خلائقه ضنين
أ يوعدني الخنيفس من بعيد # و لما يلق مأبضه الوتين
لهوت بجارتيه و حاد عنّي # و يزعم أنّه أنف شفون
فعارضه الخنيفس و هو يقول:
أيا ابن المقشعرّ لقيت ليثا # له في جوف أيكته عرين
تقول له صددت حذار حين # و أنّك نشو أبطال مبين
و أنّك قد لهوت بجارتينا # فهاك عبيد لاقاك القرين
ستعلم أيّنا أحمى ذمارا # إذا قصرت شمالك و اليمين
لهوت بها لقد أبدلت قبرا # و باكية عليك لها رنين
فقال عبيدة: «أذكرك اللّه و حرمة خشرم» ، فقال: «و اللّه لأقتلنك» ، فقتله، فلما بلغ أخاه عاصما، خرج إليه، و لبس أطمارا، و ركب فرسه، و كان في آخر يوم من جمادى، فأقبل يبادر دخول رجب، لأنهم كانوا لا يقتلون في رجب أحدا، فانطلق حتى وقف بباب خنيفس ليلا، و قال: