المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٥٥ - محاسن الغيرة و الحجاب
فافترعها، وردها إلى بعلها، ثم أن رجلا من جديس تزوج غفيرة بنت غفار، عظيم جديس و رئيسها، فلما أرادوا أن يهدوها إليه، بدءوا بها عمليق فادخلوها عليه و القيان معها يتغنين و يضربن بالدفوف و يقلن:
ابدي بعمليق و معه فاركبي # و بادري الصّبح بأمر معجب
فسوف تلقين الذي لم تطلبي # و لم يكن من دونه من مذهب
فجعلت تقول و هي تزف:
ما أحد أذلّ من جديس # أ هكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقومي حرّ # من بعد ما أهدى و سيق المهر
لأن يلاقي المرء موت نفسه # خير له من فعل ذا بعرسه
فلما دخلت عليه افترعها، ثم خلى سبيلها، فخرجت و وقفت على أخيها الأسود بن غفار، و هو قاعد في نادي قومه، و قد رفعت ثوبها عن عورتها و أنشأت تقول:
أ يصلح ما يؤتي إلى فتياتكم # و أنتم رجال كثرة عدد الرّمل
و ترضون هذا يا لقومي لأختكم # عشيّة زفت في النّساء إلى البعل
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه # فكونوا نساء في المنازل و الحجل
و دونكم طيب النّساء و إنّما # خلقتم جميعا للتزين و الكحل
فلو أنّنا كنّا رجالا و كنتم # نساء لكنّا لا نقيم على ذحل [١]
فقبحا لبعل ليس فيه حميّة # و يختال يمشي بيننا مشية الفحل
فموتوا كراما أو أصيبوا عدوّكم # بداهية توري ضراما من الجزل
و إلاّ فخلّوا داركم و ترحّلوا # إلى بلد قفر خلاء من الأهل
و لا تخرجوا للحرب يا قوم إنّها # تقوم بأقوام شداد على رجل
فيهلك فيها كلّ و غد مواكل # و يسلم فيها ذو الطّعان و ذو القتل
[١] الذحل: الثأر، العداوة و الحقد.