المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٨١ - محاسن القيادة
بخلخالي؛ فلما نظر إلينا، اشمأز لذلك، و صدف عني و عنها صدوف المهرة العربية إذا سمعت صلاصل اللجم، و عضّ على أنامله، و ولى خارجا.
فأنا، يا شيخ، منذ ثلاث سنين، أسلّ سخيمته، و استعطفه فلا ينظر إليّ بعين، و لا يكتب إليّ بحرف، و لا يكلم لي رسولا.
قلت لها: «يا هذه، أ فمن العرب هو أم من العجم» ؟قالت: «هو من جلّة ملوك البصرة» . قلت: «من أولاد نيّابها أو من أولاد تجارها» .
قالت: «من عظيم ملوكها» . قلت لها: «أ شيخ هو أم شاب» ؟فنظرت إليّ شزرا و قالت: «إنك لأحمق. أقول: هو مثل القمر ليلة البدر، أمرد أجرد، و طرة رقعاء كحنك الغراب، تعلوه شقرة في بياض، عطر لباس، ضارب بالسيف، طاعن بالرمح، لاعب بالنرد و الشطرنج، ضارب بالعود و الطنبور، يغنّي و ينقر على أعدل وزن، لا يعيبه شيء إلاّ انحرافه عني، لا نقصا لي منه بل حقدا لما رآني عليه» . قلت: «يا هذه، و كيف صبرك عنه» ؟فأنشأت تقول:
أمّا النهار، فمستهام واله # و جفون عيني ساجفات تدمع
و الليل، قد أرعى النجوم مفكرا # حتى الصّباح، و مقلتي لا تهجع
كيف اصطباري عن غزال شادن # في لحظ عينيه سهام تصدع
وجه يضيء، و حاجبان تقوّسا # و كأنّ جبهته سراج يلمع
و بياض وجه قد أشيب بحمرة # في وجنتيه كأنّه مستجمع
و القد منه كالقضيب إذا زها # و الغصن في قنوائه يترعرع
تمّت خلائقه، و أكمل حسنه # كمثال بدر، بعد عشر، أربع
قلت لها: «يا سيدتي، ما اسمه، و أين يكون» ؟قالت: «تصنع به ما ذا» ؟قلت: «أجهد في لقائه، و أ تعرف الفضل بينكما في الحال» ، قالت: «على شريطة» قلت: «و ما هي» ؟قالت: «تلقانا إذا لقيته، و تحمل لنا إليه رقعة» . قلت: «لا أكره ذاك» . قالت: «هو ضمرة بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، يكنى بأبي شجاع، و قصره في المربد