المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٧١ - محاسن الصبر على الحبس
لو كنت كالسّيف المهنّد لم يكن # وقت الكريهة و الشّدائد يغمد
لو كنت كالليث الهصور لما رعت # فيّ الذّئاب و جذوتي تتوقّد
من قال إنّ الحبس بيت كرامة # فمكاثر في قوله متجلّد
ما الحبس إلاّ بيت كلّ مهانة # و مذلّة و مكاره لا تنفد
إن زارني فيه العدوّ فشامت # يبدي التّوجّع تارة و يفنّد
أو زارني فيه المحبّ فموجع # يذري الدّموع بزفرة تتردّد
يكفيك أنّ الحبس بيت لا يرى # أحد عليه من الخلائق يحسد
تمضي اللّيالي لا أذوق لرقدة # طعما و كيف يذوق من لا يرقد
في مطبق فيه النّهار مشاكل # للّيل و الظّلمات فيه سرمد
فإلى متى هذا الشّقاء مؤكد # و إلى متى هذا البلاء مجدّد
ما لي مجير غير سيّدي الذي # ما زال يكفلني فنعم السّيّد
غذيت حشاشة مهجتي بنوافل # من سيبه و صنائع لا تجحد
عشرين حولا عشت تحت جناحه # عيش الملوك و حالتي تتزيّد
فخلا العدوّ بموضعي من قلبه # فحشاه جمرا ناره تتوقّد
فاغفر لعبدك ذنبه متطولا # فالحقد منك سجيّة لا تعهد
و اذكر خصائص خدمتي و مقاومي # أيّام كنت جميع أمري تحمد
و قال عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، رضي اللّه عنهم:
خرجنا من الدّنيا و نحن من اهلها # فلسنا من الأموات فيها و لا الأحيا
إذا دخل السّجان يوما لحاجة # عجبنا و قلنا جاء هذا من الدّنيا
و نفرح بالرؤيا فجلّ حديثنا # إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت كانت بطيئا مجيئها # و إن قبحت لم تنتظر و أتت سعيا
و قال آخر:
أ لا أحد يدعو لأهل محلة # مقيمين في الدّنيا و قد فارقوا الدّنيا