وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٧٤ - و الخامس
المضاعفة هو ما كان في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) مع ما زيد فيه، لأخبار و آثار وردت في ذلك، و استحسنه ابن حملة على ما ذهب إليه النووي في كتبه من التخصيص، مع أن البرهان ابن فرحون نقل في شرحه لابن الحاجب الفرعي أنه لم يخالف في هذه المسألة غير النووي، و أن الشيخ محب الدين الطبري نقل في كتابه الإحكام أن النووي رجع عن ذلك، قال: و نقل أبو عبد الله بن فرحون في شرح مختصر الموطأ أنه وقف على كتاب من كتب المالكية فيه أن مالكا سئل عن ذلك فقال: ما أراه (عليه السلام) أشار بقوله: «في مسجدي هذا» إلا لما سيكون من مسجده بعده، و أن الله أطلعه على ذلك، انتهى.
قلت: أما قوله «إنه لم يخالف في ذلك إلا النووي» فممنوع؛ فقد نقل ذلك ابن الجوزي في الوفاء عن ابن عقيل الحنبلي، و أما ما نقله عن الإحكام للطبري فقد راجعتها فرأيته ترجم لبيان أن مسجده (صلّى اللّه عليه و سلم) المشار إليه بالتفضيل هو الموجود في زمنه مع ما زيد فيه، و أورد بعض الأخبار الآتي ذكرها في آخر الفصل الثاني عشر، ثم قال: و قد يتوهم بعض من لم يبلغه ذلك قصر الفضيلة على الموجود في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لمكان الإشارة، و قد وقع ذلك لبعض أئمة العصر، فلما رويت له ما سبق جنح إليه و تلقاه بالقبول، انتهى.
فكأن ابن فرحون فهم أن المراد من قولهم «بعض أئمة العصر» النووي.
و أما ما حكاه عن مالك فقد نقله الأقشهري في روضته عن عبد الله بن نافع صاحب مالك عن مالك، و لفظه في أثناء كلام: قيل له- أي لمالك- فحد المسجد الذي جاء فيه الخبر هو على ما كان في عهد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أو على ما هو الآن؟ قال: بل هو على ما هو الآن، قال: لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أخبر بما يكون بعده، و زويت له الأرض فأري مشارقها و مغاربها، و تحدث بما يكون بعده، فحفظ ذلك من حفظه في ذلك الوقت، و نسي ذلك من نسيه، و لو لا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون المهديون أن يزيدوا فيه بحضرة الصحابة و لم ينكر عليهم ذلك منكر، انتهى.
قلت: و متمسك من ذهب إلى التخصيص الإشارة في قوله «مسجدي هذا» و لعله (صلّى اللّه عليه و سلم) إنما جاء بها ليدفع توهم دخول سائر المساجد المنسوبة إليه بالمدينة غير هذا المسجد، لا لإخراج ما سيزاد فيه، و قد سلّم النووي أن المضاعفة في المسجد الحرام تعم ما زيد فيه، فليكن مسجد المدينة كذلك، كما أشار إليه ابن تيمية، قال: و هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين و عملهم، و كان الأمر عليه في عهد عمر و عثمان (رضي الله عنهما)، فإن كلّا منهما زاد في قبلة المسجد، و كان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة و كذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه، و يمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، و أن يكون الخلفاء و الصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، قال: