وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٤٧ - الوصية بحفظ أهلها
و أسند ابن شبة في أخبار مكة عن إسماعيل بن سالم قال: سألت عامرا عن فتيا أفتى بها حبيب بن أبي ثابت، فقال: أ لا يفتي حبيب نفسه حيث نزل مكة و هي قرية أعرابية، و لأن أنزل دوران أحب إلي من أن أنزل مكة، و هي قرية هاجر منها النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
و عن الشعبي أنه كان يكره المقام بمكة، و يقول: هي دار أعرابية، هاجر منها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و قال: أ لا يفتي حبيب نفسه حيث يجاور بمكة و هي دار أعرابية، و قال عبد الرزاق في مصنفه: كان أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يحجون ثم يرجعون، و يعتمرون ثم يرجعون، و لا يجاورون.
قلت: و لم أظفر عن السلف بنقل في كراهة المجاورة بالمدينة الشريفة، بخلاف مكة، لكن اقتضى كلام النووي في شرح مسلم حكاية الخلاف فيها، و كأنه قاس المدينة على مكة من حيث إن علة الكراهة و هي خوف الملل و قلة الحرمة للأنس و خوف ملابسة الذنوب لأن الذنب بها أقبح، و نحوه موجود بالمدينة، و لهذا قال: و المختار أن المجاورة بهما جميعا مستحبة إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في المحذورات المذكورة.
و قال الزركشي عقب نقل كلام النووي: إن الظاهر ضعف الخلاف في المدينة أي:
لما قدمناه من الترغيب فيها، و لأن كل من كره المجاورة بمكة استدل بترك الصحابة الجوار بها، بخلاف المدينة فكانوا يحرصون على الإقامة بها، و قد روى الطبراني في الأوسط حديث «من غاب عن المدينة ثلاثة أيام جاءها و قلبه مشرب جفوة» و أسند ابن أبي حثمة حديث «من كان له بالمدينة أصل فليتمسك به، و من لم يكن له بها أصل فليجعل له بها أصلا و لو قصرة» قال ابن الأثير: القصرة محركة أصل الشجرة، أي و لو نخلة واحدة، و القصرة أيضا: العنق، و قال الخطابي: القصرة النخلة، و قرأ الحسن إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [المرسلات: ٣٢] و فسروه بأعناق النخل، و رواه الطبراني في الكبير بلفظه إلى قوله «فليجعل له بها أصلا» و قال عقبه: «فليأتين على الناس زمان يكون الذي ليس له بها أصل كالخارج منها المجتاز إلى غيرها» و رواه ابن شبة أيضا بنحوه، ثم أسند عن الزهري أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «لا تتخذوا الأموال بمكة، و اتخذوها الأموال في دار هجرتكم؛ فإن المرء مع ماله» و أسند أيضا عن ابن عمر حديث «لا تتخذوا من وراء الروحاء مالا، و لا تردوا على أعقابكم بعد الهجرة و لا تنكحوا بناتكم طلقاء أهل مكة، و أنكحوهن بأترابهن فأترابهن» أي: مستويات في السن في ثلاث و ثلاثين سنة.
و هذا كله متضمّن للحث على سكنى المدينة و تفضيله على سكنى مكة، و هي جديرة بذلك؛ لأن الله تعالى اختارها لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) قرارا، و جعل أهلها شيعة له و أنصارا، و كانت لهم