وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٤٦ - الوصية بحفظ أهلها
لم أرد هذا، إنما أردت القتل في سبيل الله، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا مثل للقتل في سبيل الله، ما على الأرض بقعة أحب إلي من أن يكون قبري بها منها» يعني المدينة، ثلاث مرات.
و روى ابن شبة في أخبار مكة عن سعيد بن أبي هند قال: سمعت أبي يذكر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) «كان إذا دخل مكة قال: اللهم لا تجعل منايانا بمكة حتى نخرج منها» و رواه أحمد في مسنده برجال الصحيح عن ابن عمر مرفوعا، إلا أنه قال: «حتى تخرجنا منها».
و روى مالك و البخاري و رزين العبدري أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال:
اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، و اجعل موتي في بلد رسولك، زاد رزين أن ذلك كان من أجلّ [١] دعاء عمر.
و سبق ما جاء في أن الإنسان يدفن في التربة التي خلق منها؛ فالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و أكثر أصحابه و أفضلهم خلقوا من تربة المدينة، و قد ثبت حديث: «من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة» و رواه البيهقي بلفظ: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فمن مات بالمدينة كنت له شفيعا و شهيدا» و في رواية له: «فإنه من يمت بها أشفع له، أو أشهد له» و قد ذكر هذه الرواية ابن حبان في صحيحه.
و روى الترمذي و ابن حبان في صحيحه و ابن ماجه و البيهقي و عبد الحق و صححه حديث «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها» و لفظ ابن ماجه «فإني أشهد» بدل «فإني أشفع» و رواه الطبراني في الكبير بسند حسن، و لفظه «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت؛ فإنه من مات بها كنت له شهيدا- أو شفيعا- يوم القيامة» و رواه ابن رزين بنحوه، و زاد «و إني أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون، ثم أنتظر أهل مكة فأحشر بين أهل الحرمين» و في رواية لابن النجار «فأخرج أنا و أبو بكر و عمر إلى البقيع فيبعثون، ثم يبعث أهل مكة».
و روى الطبراني حديث «أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف» و أخرجه الترمذي بالواو بدل ثم، و سيأتي في فضل البقيع زيادة تتعلق بذلك.
و بالجملة: فالترغيب في الموت في المدينة لم يثبت مثله لغيرها، و السكنى بها وصلة إليه؛ فيكون ترغيبا في سكناها، و تفضيلا لها على غيرها، و اختيار سكناها هو المعروف من حال السلف، و لا شك أن الإقامة بالمدينة في حياته (صلّى اللّه عليه و سلم) أفضل إجماعا، فنستصحب ذلك بعد وفاته حتى يثبت إجماع مثله برفعه.
[١] أجلّ: أعظم و أقوى.