وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٠ - غزوة أحد
فلما رجع عبد الله بن أبي سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين- و هما بنو حارثة و بنو سلمة- و قال الأقشهري: فبقي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في سبعمائة، و معه فرسه و فرس لأبي بردة بن نيار، و هذه رواية الواقدي، و الذي رواه ابن عقبة- كما سيأتي- أنه لم يكن مع المسلمين فرس، و في الاكتفاء بعد ذكر انخذال ابن أبي أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) مضى حتى سلك في حرة بني حارثة، ثم قال: من رجل يخرج منا على القوم من كثب، أي من قرب، من طريق لا يمر بنا عليهم؟ فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرة بني حارثة و بين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي، و كان منافقا ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و من معه قام فحثا في وجوههم التراب و يقول: إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي، و ذكر أنه أخذ حفنة من تراب، ثم قال: و الله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر، فمضى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى نزل الشعب من أحد، فجعل ظهره و عسكره إلى أحد. و قال الأقشهري: و جعل أحدا خلف ظهره، و استقبل المدينة، و جعل عينين الجبل عن يساره، و قال ابن عقبة: و صفّ المسلمون بأصل أحد، و صف المشركون بالسبخة، و تعبوا للقتال، و على خيل المشركين- و هي مائة فرس- خالد بن الوليد، و ليس مع المسلمين فرس، و صاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان، و أمّر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) عبد الله بن جبير على الرماة و هم خمسون رجلا، و عهد إليهم أن لا يتركوا منازلهم. و نقل الأقشهري أنه جعلهم على جبل عينين. و في الاكتفاء أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لأميرهم: انضح الخيل عنا لا يأتونا من خلفنا، إن كان لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك، و ظاهر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) بين درعين، و تعبأ قريش، و هم ثلاثة آلاف و معهم مائة فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، و على الميسرة عكرمة بن أبي جهل، و قد كان أبو عامر الراهب من الأوس خرج عن قومه إلى مكة مباعدا لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فكان يعد قريشا أن لو لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم هو في الأحابيش و عبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق، و بذلك سماه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و كان يسمى في الجاهلية الراهب، فلما سمع ردهم عليه قال:
لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضخهم بالحجارة، انتهى.
و روى البزار- و رجاله ثقات- عن الزبير بن العوام قال: عرض رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) سيفا يوم أحد فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام أبو دجانة فقال: يا رسول الله أنا آخذه بحقه، فأعطاه إياه، فخرج، فأتبعته فجعل لا يمر بشيء إلا أفراه [١] و هتكه، حتى أتى نسوة في سفح الجبل و معهن هند و هي تقول:
[١] فرى الشيء: فتّته و شقّه.