وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٣٣ - قصة مأرب و سيل العرم غسان
بين ذلك الشجر، فيمتلئ مما يتساقط فيه من الثمر، فطغوا، و قيل: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيّا يدعونهم إلى الله، و يذكرونهم نعمة الله عليهم، فكذبوهم، و قالوا: ما نعرف لله نعمة، قال المسعودي: و كان طول بلدهم أكثر من شهرين للراكب المجد، و كذلك عرضها، و كان أهلها في غاية الكثرة مع اجتماع الكلمة و القوة، و كانوا كما قص الله من خبرهم بقوله: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني: قرى الشام قُرىً ظاهِرَةً [سبأ: ١٨] يعني متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، فكانوا آمنين في بلادهم، تخرج المرأة لا تتزود شيئا، تبيت في قرية، و تقيل في أخرى حتى تأتي الشام، فقالوا: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: ١٩] لأنهم بطروا النعمة و ملوها، و قالوا: لو كان جني جناتنا أبعد كان أجدر أن نشتهيه، و تمنوا أن يجعل الله بينهم و بين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها و يتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة كما قال: فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ: ١٩] و عن الضحاك أنهم كانوا في الفترة التي بين عيسى و محمد (عليهما الصلاة و السلام)، فسلط عليهم سيل العرم، قيل: العرم: المطر الشديد، و قيل: جرذ أعمى فنقب عليهم السد، و كان فرسخا في فرسخ بناه لقمان الأكبر العادي، و كان بناه للدهر على زعمه، و كان يجتمع إليه مياه اليمن ثم تتفرق في مجاري على قدر حاجة جنانهم، و قيل: بناه سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، و ساق إليه سبعين واديا، و مات قبل أن يكمله فأكمله بعده ملوك حمير، و كان أولاد حمير بن سبأ و أولاد كهلان بن سبأ سادة اليمن في ذلك الزمان، و كان كبيرهم و سيدهم جد الأنصار عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، و يقال: الأسد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ذكر نسبه كذلك ابن هشام و ابن حزم و ابن الكلبي فيما نقله عنه ابن عبد البر، و نقل غيره عنه أنه جعل ثعلبة بين حارثة و بين امرئ القيس، و كانت الأنصار تقول: سمى عمرو مزيقياء لأنه كان يلبس في كل يوم حلتين ثم يمزقهما لئلا يلبسهما أحد بعده، و قيل لأبيه «ماء السماء» لجوده و قيامه عند الجدب مقام الغيث، و كان لعمرو مزيقياء أخ كاهن لم يعقب يسمى عمران، و كانت زوجة عمرو مزيقياء يقال لها طريفة من حمير، و كانت كاهنة، فولدت له ثلاثة عشر رجلا، ولدت ثعلبة و هو الذي أخرج جرهم من مكة هو و أخواته، و من انخرع معه من الأزد على ما نقله رزين، و نقل أن والد ثعلبة- و هو عمرو بن عامر- توفي قبل