الوهّابيّة في الميزان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٠ - هل يجوز نداء أولياء اللّه و الاستغاثة بهم في الشدائد و المكاره؟
(قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمي لَيْلا وَ نَهاراً)[١].
فهل يصحّ أن يُقال: إنّ النبىّ نوحاً ـ عليه السلام ـ قَصد من كلامه هذا أنّه عَبد قومه ليلا و نهاراً؟!
و اقرأ قوله تعالى ـ عن لسان إبليس في خطابه للمذنبين يوم القيامة ـ :
(...وَ ما كانَ لي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطان إلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي)[٢].
هل هناك من يحتمل أنّ معنى دعاء الشيطان للمذنبين هو عبادته لهم؟! مع العلم أنّ العبادة ـ إذا تحقّقت ـ تكون من المذنبين للشيطان لا من الشيطان لهم.
في هاتين الآيتين ـ و آيات أُخرى مماثلة نغضّ النظر عن ذِكرها ـ جاء لفظ «الدعوة» في غير معنى العبادة، و لهذا لا يمكن القول بأنّ الدعاء و العبادة لفظان مُترادفان، و أنّ مَن دعا أحد الأنبياء أو الأولياء فقد عَبَده و أشرَك باللّه، كلاّ، لأنّ الدعوة ـ و الدعاء ـ أعمّ من العبادة و غيرها.[٣]
الثاني: إنّ معنى «الدعاء» ـ في الآيات التي استدلَّ بها الوهّابيّون ـ ليس مطلق النداء، بل معناه النداء على وجه يكون مُرادفاً للعبادة، لأنّ جميع هذه الآيات إنّما نزلت في شأن عَبَدة الأصنام الذين كانوا يعتقدون بأنّها آلهة صغيرة قد فُوِّض إليها بعض شؤون الكون، و لها الاستقلال في التصرُّف، فمن الواضح أنّ كلَّ دعاء
[١] نوح: ٥.
[٢] إبراهيم: ٢٢.
[٣] و على اصطلاح أهل المنطق، بين الدعاء و العبادة عموم و خصوص مِن وَجه، فالاستغاثة بأولياء اللّه ـ مع الاعتقاد بقدرتهم المستمدَّة من قدرة اللّه ـ دعاء لا عبادة، و بعض الفرائض الدينية كالركوع و السجود ـ المقرونين بالوهيّة من تركع و تسجد له ـ عبادة لا دعاء، و الصلاة ـ مثلا ـ دعاء و عبادة.