الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٢١ - ١٢٥ الحكومة والدولة
الحرية الفردية لا مبرر له، لأنّ هذه الحريات سوف تُؤمّن ضمن إطار القوانين التي ترعى المصالح الاجتماعية والفردية على السواء، بل أنّ الدولة تقوم بتنمية وتقوية الكفاءات والقدرات الذاتية وتعريف الناس بمهامهم ووظائفهم اتّجاه المجتمع واتّجاه اللّه سبحانه، إضافة إلى القيام بتنفيذ تلك القوانين الإلهية والاجتماعية وإنزالها إلى حيّز التطبيق.
من هنا ذهب كبار المفكّرين والفلاسفة في العالم من أمثال «إفلاطون»[١] و «أرسطو»[٢] و«ابن خلدون»[٣] وغيرهم إلى أنّ تشكيل الحكومة وإقامة الدولة ظاهرة ضرورية ولابدّ منها.
نعم هناك اتّجاه آخر ذهب إليه «ماركس» و مؤيّدوه ـ انطلاقاً من تفكيرهم الفلسفي المبني على الصراع الطبقي ـ إلى أنّ ضرورة وجود الدولة وتشكيل الحكومة قائمة مادام المجتمع يعيش حالة «الصراع الطبقي»، ولكنّه إذا وصل إلى مرحلة «الشيوعية» وزالت جميع الفوارق الطبقية وعولجت جميع المشاكل الاقتصادية، فحينئذ تنتفي الحاجة إلى وجود الحكومة وتشكيل الدولة.
ولكن غاب عن أصحاب هذه النظرية ـ التي ثبت زيفها ـ انّ حصر الهدف من تشكيل الدولة والغاية من إقامة الحكومة في حلّ المشكلة الاقتصادية وإزالة الفوارق الطبقية في المجتمع يمثّل رؤية آحادية الاتجاه بمعنى النظر إلى القضية من زاوية واحدة، ولا ريب أنّ هذا النحو من التفكير لا يبتني على أُسس علمية وقواعد برهانية محكمة، لأنّه وفي الحقيقة لا تنحصر الدوافع إلى وجود الدولة في الأمرين المذكورين ـ المشكلة الاقتصادية والطبقية ـ حتّى تزول بزوالهما، بل هناك
[١] الجمهورية. [٢] السياسة:٩٦، ترجمة أحمد لطفي. [٣] مقدمة ابن خلدون:٤١ـ ٤٢.