الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦ - ٧٢ معرفة الإنسان
إنّ القرآن ـ وخلافاً للفكر الماركسي الذي يرى أنّ المعرفة الإلهية والعلاقات والروابط والأُسس الدينية سبب لضياع الإنسان وغربته عن نفسه وجهله بها ـ يرى أنّ الأواصر والعلاقات الدينية هي السبب الأساسي لعثور الإنسان على هويته ومعرفته بذاته وإدراكه لحقيقة وجوده، وانّ إهمال هذا الأصل وقطع هذه الأواصر وتلك العلاقات يكون سبباً للضياع والتيه وفقدان الهوية، والدليل الذي أقامه لإثبات تلك الحقيقة واضح جداً وجلي للعيان، وذلك لأنّ الإنسان باعتبار كونه معلولاً للذات الإلهية ومخلوقاً للّه سبحانه فليس له حقيقة إلاّ الارتباط والتبعية لعلّته الموجدة له، وانّ إغفال هذا الأصل وإهماله لا يعني إلاّ إهمال الإنسان لنفسه ولحقيقته، وانّ قطع هذه الآصرة ونفي هذه الرابطة تساوي نفي الإنسان لوجوده.
قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«أعلمكم بنفسه أعلمكم بربّه».[١]
ولقد سألت إحدى زوجات النبي يوماً الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): متى يعرف الإنسان ربّه؟ فأجاب(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: «إذا عرف نفسه».[٢]
ويقال انّ أحد العارفين قال لنظيره: أنت تقول: «إلهي عرّفني نفسك» ولكن أنا أقول: «إلهي عرّفني نفسي».[٣]
ولقد نقل عن «أبو علي سينا» في رسالة «الحجج العشرة» أنّه قال:
روي عن سيّد الأوصياء علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّه قال:«من عَرَفَ نَفْسَهُ فقد عرَف ربّه».
[١] أمالي المرتضى:٢/٣٢٩، ط مصر. [٢] أمالي المرتضى:٢/٣٢٩، ط مصر. [٣] اختلاف بين هذين النوعين من الطلب، وذلك لأنّ إحدى وسائل معرفة اللّه سبحانه هي معرفة الإنسان نفسه، فإنّ من يدعو اللّه بقوله:«إلهي عرّفني نفسك» فانّه في الحقيقة يريد أيضاً معرفة نفسه، ولذلك جاء كلام ذلك العارف: «فإنّ معرفة النفس مرقاة معرفة الرب».