الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٤ - ٥ الاقتداء والتأسّي بالآباء بلا وعي ولا اتّزان
تخطّيها وتجاوزها، وهذه الحدود هي ألاّ يدعوانه إلى الشرك باللّه أو العصيان أو اقتراف الذنوب، يقول سبحانه:
(وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاتُطِعْهُما...).[١]
كما اعتبر القرآن وفي بعض الآيات الانقياد الأعمى والتأسّي اللاّموزون بالآباء والأجداد سبباً للانحراف والضلال، ولذلك نراه سبحانه يحكي لنا حال أُولئك الأبناء الذين أطاعوا آباءهم بغير حق وتمسّكوا بركب الآباء والأجداد وعطّلوا آلة التفكير والتعقّل عندهم بقوله سبحانه:
(...إنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّة وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ* وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ في قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاّقالَ مُتْرَفُوها إنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمّة وَانِّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ).[٢]
ولذلك انتقد القرآن الكريم هذا النوع من التفكير، بل هذا التعصّب الأعمى بقوله:
(...أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُون).[٣]
إنّ الإنسان الحرّ هو الإنسان الذي يمزّق كلّ حجاب يحول بينه و بين الوصول إلى الحقيقة، وإنّه يسعى نحو الوصول إلى الحقيقة التي يفضّلها على كلّ شيء ويحبّها أكثر من كلّ شيء، وإن كان يحترم ويبجّل والديه ويكنّ لهم وافر الاحترام والاعتزاز، ولكن الحقيقة والحق عنده أكثر تبجيلاً واعتزازاً واحتراماً وأحرى أن تقدّم على غيرها.
[١] لقمان:١٥. [٢] الزخرف:٢٢ـ ٢٣. [٣] المائدة:١٠٤.