الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١٠ - مَن الذي جعل الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامي؟
حسب إمكانات ومقتضيات ذلك العصر.
ولم تمض فترة على تلك الهجرة الميمونة إلاّ ونور الرسالة المحمدية يغمر جميع بقاع شبه الجزيرة العربية، وظهر الإسلام كقوّة سياسية وعسكرية يحسب لها حسابها، ثمّ وبعد فترة وجيزة تحوّل ذلك الكيان إلى حكومة قوية في الساحة العالمية، ووضع الأسس الرئيسية لحضارة عظمى لم يُرَ مثلها من قبل ذلك، واستطاعت أن تغطي قسماً كبيراً من أرجاء المعمورة، كلّ ذلك حدث ببركة الهجرة النبوية الميمونة، وإلاّ لبقي المسلمون يعيشون في ذلك المحيط المكّي الضاغط الذي يحصي عليهم أنفاسهم ويتابع خطواتهم بدقّة ومراقبة صارمة.
من هنا اهتمّ المسلمون بحادث الهجرة واعتبروه بداية تاريخهم، منذ ذلك اليوم وإلى الآن، حيث مضى أكثر من ألف وأربعمائة سنة طوت الأُمّة الإسلامية أربعة عشر قرناً من تاريخها الزاهر وماضيها النيّر، وقد دخلنا وللّه الحمد العقد الثالث من القرن الخامس عشر الهجري. هذا تمام الكلام في هذه المسألة وبقي الكلام في البحث الثاني وهو:
مَن الذي جعل الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامي؟
المشهور بين المؤرّخين أنّ الخليفة الثاني هو الذي اعتبر الهجرة النبوية الشريفة مبدأ للتاريخ الإسلامي، باقتراح وتأييد من الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وأمر أن تؤرّخ الدواوين والرسائل والعهود وما شابه ذلك بذلك التاريخ.[١]
إلاّ أنّ الإمعان في مكاتيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومراسلاته ـ والتي نقل لنا التاريخ وكتب السيرة والمصنفات الحديثية القسم الأعظم منها ـ و الأدلّة الأُخرى، يظهر
[١] تاريخ اليعقوبي:٢/١٤٥.