الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠١ - ٦ المعاد مظهر ربوبيته سبحانه
وبما أنّ العباد قد انقسموا ـ من ناحية الطاعة ـ إلى طائفتين، مطيعة وعاصية، الأمر الذي يقتضي أن يوجد يوم يجمع فيه العباد على صعيد واحد ليحاسب فيه العاصون على مخالفتهم ويُثاب فيه المطيعون على طاعتهم.
وبعبارة أُخرى: انّ الربوبية تلازم العبودية،وفي الحقيقة انّه تكمن في حقيقة العبودية المسؤولية، وإلاّ لا معنى للمسؤولية بدون المؤاخذة، والمساءلة والاستجواب عن الأعمال والأفعال، ولا شكّ انّ ذلك كلّه لا يمكن تصوّره من دون أن يكون هناك يوم يُعدّ للحساب والمساءلة والمؤاخذة، ولذلك فإنّ هذا الأمر يقتضي أن يوجد ذلك اليوم الذي تتجلّـى فيه ربوبية اللّه سبحانه، ولعلّه من هذا المنطلق جاءت كلمة «الرب» في الآية المذكورة بدل كلمة «اللّه» أو «الخالق» أو ما شابه ذلك، قال تعالى:
(يا أَيُّهَا الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقيهِ).[١]
ولعلّه لنفس النكتة اعتبر في آية أُخرى إنكار المعاد ملازماً لإنكار الربوبية حيث قال سبحانه:
(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَولهُمْ ءَإِذا كُنّا تُراباً ءَ إِنّا لَفي خَلْق جَديد أُولئِكَ الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ...)[٢].
وتتّضح من خلال البيان السابق الملازمة بين إنكار المعاد وإنكار الربوبية، وذلك لأنّ الإنسان إذا سلم بأنّ له ربّاً وانّه مملوك لذلك الرب، فلا ينبغي بحال من الأحوال أن ينكر أنّه لابدّ أن يقف أمام هذا الرب والمالك للحساب والمساءلة والمؤاخذة، وإلاّ لا يمكن تصوّر مقام المالكية والربوبية والعبودية منفكّاً عن
[١] الانشقاق:٦. [٢] الرعد:٥.