الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥١ - ٩٤ الحكمة من تشريع التوبة
إلى هنا اتّضح وبصورة إجمالية دور الأمل والرجاء في حياة الإنسان، وهذه المسألة بدرجة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، ولكن المهم هو التذكير بأنّ الوعد بقبول التوبة وتحت شروط خاصة، يُعدّ فرعاً من فروع بعث الأمل في نفس الإنسان المذنب والعاصي، والمتمرّد على القوانين الإلهية، بأن يعيد النظر في مواقفه وما ارتكبه من الذنوب والمعاصي وأن يصحّح مسيرته ويطهر سريرته وذاته ويتحوّل إلى إنسان مستقيم الطريقة مرضي الخصال وليس التوبة ـ كما تصوّرها المستشكل ـ محفزاً وباعثاً على الذنوب والتمرّد على القوانين والأحكام الإلهية، وتوضيح ذلك:
لا ريب أنّ الإنسان غير المعصوم، وخلال مسيرة حياته الطويلة وتحت ضغط طغيان وجموح الغرائز والميول النفسانية، يرتكب سلسلة من المعاصي ويقع في الكثير من المخالفات، ممّا يؤدّي إلى أن تسوّد صحيفة أعماله بالكثير من الذنوب والموبقات.
فلو فرضنا انّ هذا الإنسان الذي وصل إلى هذا الطريق المنحرف، قد وجد نفسه أمام طريق مسدود وانّ الجسور بينه و بين ربّه قد قطعت جميعاً، وانّ باب التوبة والإنابة قد أُوصد في وجهه، ولم تترك له فرصة العودة إلى الطريق القويم، ماذا تراه سيفكّر حينئذ؟ ممّا لا ريب فيه أنّه وتحت حالة اليأس هذه يفكر بأنّه لم يبق أمامه إلاّ طريق واحد، وهو استغلال ما بقي من عمره في الملذّات والاستجابة للغرائز والميول مادام يشعر بأنّه معذّب على كلّ حال، فلماذا لم يتنعّم في الدنيا على أقلّ تقدير؟ ولا ريب أيضاً أنّه لا يفكّر ولو لحظة واحدة في إصلاح نفسه، لأنّه يعلم أنّ طريق الإصلاح قد سدّ في وجهه، فعليه مواصلة طريق الموبقات.