الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١ - ج وحي الشريعة
ج: وحي الشريعة
إنّ الإنسان العادي قد يتوصّل إلى النتائج التي يتوخّاها من خلال الحسّ والتجربة، أو إجالة الفكر والتدبّر والاستدلال، ولكن ذلك لا يعني انحصار طرق المعرفة وسبلها بهذين الطريقين، بل هناك طريق ثالث للمعرفة يفاض على النفس من العالم العلوي يكون الهدف منه هداية المجتمع الإنساني وسوقه إلى الكمال والرقي والتعالي، وهذا ما يطلق عليه اسم «الوحي التشريعي».
والحقيقة أنّ هذا الوحي التشريعي لا يختلف من جهة الماهية والحقيقة عن القسمين السابقين، نعم النكتة الكامنة في هذا القسم هي مسألة الهداية وإرشاد الناس إلى المبدأ والمعاد. وهذه الخصيصة أخذت باعتبارها قيداً لازماً لهذا النوع من الوحي حيث قال تعالى:
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرينَ).[١]
وعلى هذا الأساس فإنّ الأنبياء وإن كانوا يمتلكون وسائل المعرفة كالحس والعقل ولكن شريعتهم لا تكون نتاج تلك الوسائل المعرفية، بل أنّها جميعاً تتعلّق بالعالم العلوي حيث ينزل الوحي على نفوسهم وأرواحهم وبأمر من اللّه سبحانه حاملاً رسالته وتشريعاته سبحانه، ولذلك لا يخطأون أدنى خطأ في ضبط وحفظ وإبلاغ وبيان الأحكام الإلهية.
ولذلك فكلّ محاولة لتفسير ووضع حركة الأنبياء في إطار الهداية، بأنّها وليدة الحس والعقل، أو هي نتاج الاستعداد والنبوغ الذاتي للأنبياء، لا تبعد ه عن كونها محاولة انحرافية يسير صاحبها في طريق أعوج، ومن المستحيل أن توصله محاولته تلك إلى الهدف الذي يرومه، والحقيقة أنّ السبب الذي دعا أصحاب هذا
[١] الشعراء:١٩٣ـ ١٩٤.