الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠١ - ٨٥ إمكانية اتّحاد الثقافات والحضارات
نحو القومية والوطنية قد اشتدّ في العالم الغربي، وأنّ الكثير من المفكّرين الغربيّين قد دعوا إلى هذا النهج وجنحوا نحو هذا التفكير الاجتماعي والسياسي ودافعوا عن ذلك بقوة وتحت واجهات مختلفة، إلاّ أنّه لم تمرّ فترة طويلة إلاّ ووجدناهم قد دعوا إلى نظرية أُخرى مخالفة لسابقتها حيث مالوا للنظرية الأُممية والدعوة نحو تشكيل حكومة عالمية واحدة، وأدركوا بحسّهم الخاص أنّ هذه الحدود المصطنعة بين الدول والشعوب لابدّ أن تزول، لأنّها هي السبب الأساسي وراء اندلاع الحروب والمعارك بين الشعوب وإراقة الدماء البشرية، وأنّه لا منجي من تلك الورطة والبأساء إلاّ بالقضاء على تلك الحدود المصطنعة وإزالتها من الوجود، ووضع الناس كافة تحت راية وحكومة واحدة.
ولقد تمخّض عن الحرب العالمية الأُولى ـ التي فتكت بالعالم بأسره ـ نشوء «عصبة الأُمم» والتي شكلت من ٢٦ عضواً ليتسنّى لهم من خلال ذلك التشكيل أن يقفوا أمام الحروب والحدّ من النزف الدموي وحلّ المشاكل العالمية من خلال الحوار والأسلوب الدبلوماسي، ولكن لم يوفّق ذلك التشكيل من تحقيق الأهداف التي أُسس من أجلها، وذلك لأنّه ومن الأساس تأسّس بصورة ناقصة وفيها الكثير من الثغرات ونقاط الخلل، ولذلك نجده لم يتمكن من الحيلولة دون نشوب الحرب العالمية الثانية.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية فكّر ساسة العالم ومفكّروه في تأسيس كيان أكثر فاعلية من سابقه يتحلّى بالواقعية والمتانة، ولذلك تمّ تأسيس «هيئة الأُمم المتحدة والاتّحادات الدولية»، وقد جاء في ميثاق الأُمم المتحدة الهدف من تأسيسها، ويتوقع المفكّرون السياسيون وكبار ساسة العالم أنّه من الممكن أن تتحول هيئة الأُمم المتحدة ـ التي هي في الواقع بمثابة برلمان عالمي ـ إلى مركز حكومة عالمية واحدة تعلن خلالها وحدة البشرية والمساواة بين الجميع.