تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٧١ - ٩٣١٦ ـ بلقيس بنت شراحيل الهدهاد بن شرحبيل
الهدهد ، فإذا احتاجوا إلى الماء جاء الهدهد فشمّ الأرض ثم نقر بمنقاره ، فيحفر الماء على وجه الأرض ، فبينما سليمان يسير بين المشرق والمغرب في مفازة احتاج الجنود إلى الماء ، وكان الهدهد غائبا ، فشكت الجنود العطش إلى آصف ـ وكان صاحب أمر سليمان ـ فقال : أيها الملك إنّ الجنود قد عطشوا ولا ماء ، فرفع سليمان رأسه فنظر إلى الطير ففقد الهدهد فقال : (ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ)[١] فقالت الطير : هو من الغائبين ، فغضب سليمان فقال : بعد عني وأنا في المفازة معي الجنود (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ)[٢] قال : عذر مبين ، فلما سمع الطير ذلك استقبلوا الهدهد فقالوا : ويلك أين كنت [٣]؟ قد غضب عليك وحلف ليعذّبنّك أو ليذبحنّك أو لتأتينّه بعذر مبين يخرجك من ذنبك [٤] ، فلما سمع الهدهد ذلك أدبر راجعا ، فارتفع حتى أشرف على الجبال والبحور ، فبينا هو كذلك إذ أشرف على جبل سبأ ، ونظر إلى بلقيس ملكتهم وهي جالسة على عرشها ، وبين يديها ألف رجل متقلّدون السيوف ، قيام ، كلّ رجل منهم ملك على قومه ؛ فلما رأى الهدهد ذلك قال : هذا حجتي التي أرجع بها إلى سليمان ، فرجع فوقع بين يدي سليمان فسجد فقال سليمان : ما لك؟ وأين غبت؟ فقال : (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ ، وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)[٥] قال : وما نبؤك؟ قال : (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) إلى (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ)[٦] فدعا سليمان برقّ فكتب فيه بيده وطواه وختمه بخاتمه ، ولم يكتب فيه عنوانا ثم قال (سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) إلى (فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ)[٧] فانطلق الهدهد بالكتاب حتى ألقاه في حجر بلقيس.
وفي رواية :
فجاء الهدهد وقد غلّقت الأبواب ، وكانت تغلق أبوابها وتضع مفاتحها تحت رأسها ،
[١] سورة النمل الآية : ٢٠. أراد ماله مفقود من هاهنا ، أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي.
[٢] سورة النمل ، الآية : ٢١.
[٣] كان الهدهد قد مرّ على قصر بلقيس ، فرأى بستانا خلف قصرها ، فمال إلى الخضرة. كما في الكامل لابن الأثير ١ / ١٦١.
[٤] قيل إن عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه فلا يطير أبدا فيصير من هوام الأرض ، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبدا.
[٥] سورة النمل ، الآية : ٢٢. وقوله بنبإ يقين : يعني بخبر صادق.
[٦] سورة النمل ، الآيتان ٢٣ و ٢٤.
[٧] سورة النمل ، الآيتان ٢٧ و ٢٨.