تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٧٣ - ٩٣١٦ ـ بلقيس بنت شراحيل الهدهاد بن شرحبيل
سليمان الطريق للرسل ثمانية أميال في ميل عرضا ، ونصبوا على جنبتي الطريق أساطين من ياقوت أحمر ، فلما جاءت الرّسل فنظروا إلى الذهب والياقوت! فقال بعضهم لبعض : أين ننطلق إلى هذا الرجل بثلاث لبنات من ذهب وعنده من الذهب ما قد فرش به الطريق!؟ فقال رئيسهم : إنما نحن رسل نبلغ ما أرسل به معنا ؛ فمضوا حتى دخلوا على سليمان ، فقرأ كتاب بلقيس ، ووضعوا اللّبنات بين يديه فقال : (أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ) إلى (تَفْرَحُونَ)[١] قال : تفرحون بثلاث لبنات ذهب؟! انطلقوا فخذوا ما رأيتم ثلاثمائة أو ثلاثة آلاف أو ثلاثين ألفا أو ثلاث مائة ألف أو ثلاثة آلاف ألف ، فقالوا : أيّها الملك إنما نحن رسل ، فأمر بقبض اللّبنات ، ثم دعا بالياقوتة فأخذ ذرّة فربط فيها خيطا ثم أدخلها في ثقب الياقوت حتى خرجت من الجانب الآخر ، ثم جمع طرفي الخيط ثم ختم عليه ، ثم دعا بتور [٢] من ماء ، فوضعوه ، ثم أمر أولئك الوصفاء أن يتوضّئوا واحدا واحدا فميّزهم بالوضوء ، الغلمان من الجواري ثم قال : هؤلاء غلمان وهؤلاء جوار. قالت الرسل : أيّها الملك اكتب إليها بجواب كتابها ، فقال : لا ، ارجعوا إليهم (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها) الآية [٣] ، فرجعت إليها الرسل فقالت : ما جئتم به من عند سليمان؟ فقالوا : ما كنت صانعة حين يأتيك الجنود فالآن. فاستقلّت ومن معها وحملت الخزائن والسلاح على سبعين فيلا ، ثم توجّهت ومعها أولئك الألف الذين بين يديها ، وخلّفت عرشها ، فلما فصلت جاء دمرياط فقال : أيها الملك إنّ بلقيس قد خرجت إليك ومعها ألف ملك قد حملت خزانها وسلاحها على سبعين فيلا ، فقال سليمان : ما فعل عرشها أمعها أم خلّفته؟ فقال : بل خلّفته ، قال سليمان : ف (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)[٤]؟ قال دمرياط : (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)[٥] وكان سليمان يصلّي الصّبح ثم يجلس للناس إلى طلوع الشمس ، فقال : آتيك به من حين تجلس إلى حين تقوم ، فقال سليمان : أريد أعجل من ذلك ، فقال آصف [٦] : (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ
[١] سورة النمل ، الآية : ٣٦.
[٢] التور : الإناء.
[٣] سورة النمل ، الآية : ٣٧.
[٤] سورة النمل ، الآية : ٣٨.
[٥] سورة النمل ، الآية : ٣٩.
[٦] هو آصف بن برخيا ، وكان عنده علم من الكتاب ، وكان يعرف اسم الله الأعظم ، كما في الكامل لابن الأثير ١ / ١٦٢ وهو ابن خالة سليمان ، وقيل : هو رجل من مؤمني الجان ، كما في البداية والنهاية ٢ / ٢٨.