تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٦٦ - ٩٣١٥ ـ برق الأفق المدنية
وغنّت لحنا لي فقلت : أخطأت والله ـ أي زانية ـ وأسأت ، ثم اندفعت فغنّيت الصّوت ، فوثبت الجارية فقالت لمولاها : هذا والله أبو عثمان سعيد بن مسجح ، فقلت : إني والله أنا هو ، ولا أقيم عندكم ، فوثب القرشيّون ، فقال لي : هذا يكون عندي ، وقال هذا : لا بل يكون عندي ، فقلت : لا والله لا أقيم إلّا عند سيّدكم ـ يعني الرجل الذي أنزله ـ وسألوه عمّا أقدمه؟ فأخبرهم ، فقال له صاحب منزله : أنا أسمر الليلة عند أمير المؤمنين فهل تحسن أن تحدو؟ قال : لا والله ، ولكنّي أصوغ لحنا على الحداء ، قال : فافعل ، فصنع لحنا على ألحان الحداء في هذا الشعر :
| إنّك يا معاوي [١] المفضّل | إن زلزل الأقوام [٢] لم تزلزل | |
| عن دين موسى والكتاب المنزل | تقيم أصداغ القرون الميّل | |
| للحقّ حتى ينتحوا للأعدل | ||
وسمعه الفتى فقال : أحسنت والله ، وأجدت ، رح معي ، فراح معه وجلس على الباب ، فلما طابت نفس عبد الملك بعث القرشيّ بغلامه إليه أن يعلو السّور ويرفع صوته بالأبيات ، وكان من أحسن الناس صوتا ، ففعل ، فلما سمع عبد الملك صوته طرب وقال : من هذا؟ قال الفتى : هذا رجل من أهل الحجاز قدم علينا ، فأحببت أن تسمع حداءه ؛ قال : هاتوه فجاءوا به ، فسمعه من قريب ، ثم قال : أتغنّي غناء الرّكبان؟ قال : نعم ، قال : فغنّ ، فغنّاه فازداد طربه واستزاده ، ثم قال له : هل تغني الغناء المتقن؟ قال : نعم ، قال : غنّ ، فغنّاه ، فاهتزّ عبد الملك طربا ، واستزاده فقال له : أقسم إنّ لك في القوم اسما كبيرا فمن أنت منهم؟ قال : أنا المظلوم المنفيّ ، المقبوض ماله ابن مسجح ، فأمر بالكتاب إلى عامله بردّ ماله ، وألّا يعرض له بسوء إذا عاد إلى وطنه. وأمر له بمائة ، وسأل القرشيّ عن خبره؟ فأخبره به ، فضحك حتى استغرب ، فقال عن الصوت الذي أخطأت فيه الجارية فغنّاه وهو للحادرة (٣)(٤) :
| بكرت سميّة غدوة فتمتّع | وغدت غدوّ مفارق لم يرجع [٥] |
[١] في الأغاني : إنك يا معاذ يا بن الفضّل.
[٢] الأغاني : الأقدام.
[٣] الحادرة لقب ، واسمه قطبة بن أوس بن محصن ، شاعر جاهلي ، مقلّ ، انظر أخباره في الأغاني ٣ / ٢٧٠.
[٤] الأبيات للحادرة في المفضليات للضبي ، المفضلية رقم ٨ ص ٤٣ وانظر تخريج الأبيات فيها.
[٥] في المفضليات : لم يربع.