تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٥٩ - ٨٣٨٧ ـ أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني
كان ابن مجاهد يوما عند أبي ، فقيل له : الشبلي؟ قال : يدخل. فقال ابن مجاهد : سأسكته الساعة بين يديك ؛ وكان من عادة الشبلي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا [١] ، فلما جلس قال له ابن مجاهد : يا أبا بكر ، أين في العلم إفساد ما ينتفع به؟ قال له الشبلي : أين في العلم (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ)[٢]؟ قال : فسكت ابن مجاهد. فقال له أبي : أردت أن تسكته فأسكتك! ثم قال له : قد أجمع الناس أنك مقرئ الوقت ؛ أين في القرآن : الحبيب لا يعذّب حبيبه؟ قال : فسكت ابن مجاهد ، فقال له أبي : قل يا أبا بكر. فقال : قوله تعالى : (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ)[٣]. فقال ابن مجاهد : كأنني ما سمعتهما [٤] قط.
قال السلمي : سمعت أبا عبد الله الرازي يقول :
قال أبو العباس بن شريح يوما للشبلي : يا أبا بكر ، أنت مع جودة خاطرك وفهمك لو شغلته بشيء من علوم الفقه؟ فقال : أنا أشتغل بعلم يشاركني فيه مثلك؟!.
قال القشيري [٥] : سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول :
سئل الشبلي ، فقيل له : أخبرنا عن توحيد مجرد بلسان حقّ مفرد؟ فقال : ويحك! من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد ، ومن أشار إليه فهو ثنويّ [٦] ، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن ، ومن نطق فيه فهو غافل [٧] ، ومن سكت عنه فهو جاهل ، ومن توهم [٨] أنه واصل فليس له حاصل ، ومن رأى [٩] أنه قريب فهو بعيد [١٠] ، ومن تواجد فهو فاقد ، وكل ما ميزتموه
[١] العبارة في حلية الأولياء : أخبرت أنك تحرق الثياب والخبز والأطعمة وما ينتفع به الناس في منافعهم ومصالحهم.
[٢] سورة ص ، الآية : ٣٣.
[٣] سورة المائدة ، الآية : ١٨.
[٤] في تاريخ بغداد : سمعتها.
[٥] الخبر في الرسالة القشيرية ص ٣٠١ ورواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء ١٠ / ٣٧٤.
[٦] ثنوي من أتباع الثنوية وهم أصحاب ماني وأشياعه ، وهم يقولون بوجود مبدأين أساسيين متضادين لا ينفكان وهما في حالة صراع دائمة ، وهما مبدأ الخير ومبدأ الشر. وقيل مبدأ النور ومبدأ الظلمة.
[٧] في مختصر أبي شامة : عاقل ، تصحيف ، والمثبت عن الرسالة القشيرية وحلية الأولياء.
[٨] في الرسالة القشيرية : وهم.
[٩] في مختصر أبي شامة : أرى ، والمثبت عن الرسالة القشيرية.
[١٠] في حلية الأولياء : ومن أرى أنه عتيد فهو بعيد.