تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٩٨ - ٨٣٨٧ ـ أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني
قال سيف بن عمر عن محمّد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس قال [١] :
كان أبو ذرّ يختلف من الرّبذة إلى المدينة مخافة الأعرابية [٢] ، فكان يحبّ الوحدة والخلوة. فدخل على عثمان وعنده كعب الأحبار ، فقال عثمان : ألا ترضون من الناس بكفّ الأذى حتى يبذلوا المعروف ، وقد ينبغي للمؤدي الزكاة ألّا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ، ويصل القرابات. فقال كعب : من أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه ، فرفع أبو ذرّ محجنة ، فضربه ، فشجّه ، فاستوهبه عثمان ، فوهبه له ، وقال : يا أبا ذرّ ، اتّق الله ، واكفف يدك ولسانك. وقد كان قال له : يا بن اليهودية ، ما أنت وما هاهنا؟! والله لتسمعنّ مني أو لا أدخل عليك ، والله لا يسمع أحد من اليهود إلّا فتنوه.
قال زيد بن وهب : حدّثني أبو ذرّ قال : قال رسول الله ٦ :
«إذا بلغ البناء سلعا فارتحل إلى الشام». فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام ، وكنت بها ، فتلوت هذه الآية (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)[٣] ، فقال معاوية : هذه للكفّار ، فقلت : هي لأهل الإسلام. فكتب إلى عثمان : إنّ هذا يفسد ، فكتب إليّ عثمان ، فقدمت المدينة ، فأجفل الناس ينتظرونني ، كأنّهم لم يروني قط ، فقال لي عثمان : لو ارتحلت إلى الرّبذة؟ قال : فارتحلنا إلى الرّبذة.
وفي رواية [٤] : مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذرّ ، فقلت : ما أنزلك هذا؟ قال : كنت بالشام ، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) ، فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب ، وقلت : نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذلك كلام ، فكتب يشكوني إلى عثمان ، فكتب إليّ عثمان أن أقدم المدينة ، فقدمت المدينة ، فكثر الناس عليّ كأنّهم لم يروني قبل ذلك ، فذكر ذلك لعثمان ، فقال : إن شت تنحّيت ، فكنت قريبا. قال : فذلك أنزلني هذا المنزل ، ولو أمّر عليّ حبشيّ لسمعت وأطعت.
قال موسى بن عبيدة [٥] : أخبرني ابن نفيع [٦] ، عن ابن عباس قال :
[١] رواه الذهبي في سير الأعلام (٣ / ٣٩٢) ط دار الفكر.
[٢] يعني توطن البادية بعد الهجرة.
[٣] سورة التوبة ، الآية : ٣٤.
[٤] رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٤ / ٢٢٦.
[٥] من طريقه رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣ / ٣٩٢).
[٦] كذا في مختصر أبي شامة ، وسير الأعلام ، ولم أعرفه.