تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٦١ - ٨٣٨٧ ـ أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني
ومنهم : أبو الخير الأقطع ، وكان أوحد في طريقته في التوكل ، كان يأنس إليه السباع والهوام ، وكان حادّ الفراسة ، مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة.
قال أبو الخير [١] : دخلت مدينة الرسول ٦ ، وأنا بفاقة ، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقا [٢] ، فتقدمت إلى القبر ، وسلّمت على النبي ٦ ، وعلى أبي بكر وعمر ـ رضياللهعنهما ـ وقلت : أنا ضيفك الليلة يا رسول الله ، وتنحّيت ، ونمت خلف المنبر ، فرأيت في المنام النبيّ ٦ ، وأبو بكر عن يمينه ، وعمر عن يساره [٣] ، وعلي بن أبي طالب بين يديه. فحركني عليّ ، وقال لي : قم ، قد جاء رسول الله ٦. قال : فقمت إليه ، وقبّلت بين عينيه ، فدفع إلي رغيفا ، فأكلت نصفه ، فانتبهت [٤] ، فإذا في يدي نصف رغيف.
وقال أبو الخير : لن يصفو قلبك إلّا بتصحيح النيّة لله تعالى ، ولن يصفو بدنك [٥] إلّا بخدمة أولياء الله تعالى.
وقال أبو الخير [٦] : ما بلغ أحد إلى حالة شريفة [٧] إلّا بملازمة الموافقة ، ومعانقة الأدب ، وأداء الفرائض ، وصحبة الصالحين ، وخدمة الفقراء الصادقين.
وقال : حرام على قلب مأسور بحب الدنيا أن يسبح في روح الغيوب.
وقال [٨] : القلوب ظروف ، فقلب مملوء إيمانا ، فعلامته الشفقة على جميع المسلمين ، والاهتمام بما يهمهم ، ومعاونتهم على ما يعود صلاحه إليهم [٩]. وقلب مملوء نفاقا ، فعلامته [١٠] الحقد ، والغلّ ، والغشّ ، والحسد.
وقال [١١] : الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها ، فيلقيها [١٢] إلى اللسان ، فتنطق
[١] الخبر في طبقات الصوفية للسلمي ٣٨٢ والطبقات الكبرى للشعراني ١ / ١٠٩ وصفة الصفوة ٤ / ٢٨٣.
[٢] الذواق : طعم الشيء ، أي أنه لم يذق شيئا من طعام أو شراب.
[٣] في صفة الصفوة وطبقات الصوفية : شماله.
[٤] في صفة الصفوة وطبقات الصوفية : وانتبهت.
[٥] في مختصر أبي شامة : و «وأن يصفو بذلك» والتصويب عن طبقات الصوفية للسلمي.
[٦] الخبر في صفة الصفوة ٤ / ٢٨٤ وحلية الأولياء ١٠ / ٣٧٨.
[٧] في مختصر أبي شامة : «شهية» تصحيف ، والصواب عن الحلية وصفة الصفوة.
[٨] الخبر في حلية الأولياء ١٠ / ٣٧٨.
[٩] في الحلية : ومعاونتهم على مصالحهم.
[١٠] في الحلية : وعلامته.
[١١] رواه ابن الجوزي في صفة الصفوة ٤ / ٢٨٣.
[١٢] في صفة الصفوة : فليقها إلى اللسان.