تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٧٩ - ٨٣٨٧ ـ أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني
فأشار إليّ ، فقال : هذا الصابئ ، فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا عليّ ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب [١] أحمر ، فأتيت زمزم ، فغسلت عني الدماء ، وشربت من مائها ، ولقد لبثت يا بن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ، ما كان لي طعام إلّا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني ، وما وجدت على كبدي سخفة [٢] جوع.
قال : فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان [٣] إذ ضرب الله على أسمختهم [٤] ، فما يطوف بالبيت أحد منهم غير امرأتين ، فأتتا عليّ وهما يدعوان إسافا ونائلة ، فقلت : هن مثل الخشبة ـ غير أني لا أكني ـ فانطلقتا تولولان ، وتقولان : لو كان هاهنا أحد من أنفارنا! فاستقبلهما رسول الله ٦ وأبو بكر وهما هابطان [٥] ، قال : «ما لكما»؟ قالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها ، قال : «ما قال لكما»؟ قالتا : إنّه قال لنا كلمة تملأ الفم [٦]. وجاء رسول الله ٦ حتّى استلم الحجر ، وطاف بالبيت هو وصاحبه ، ثم صلّى ، فلما قضى صلاته كنت أوّل من حيّاه بتحية الإسلام ، فقال : «وعليك ورحمة الله ، ممن أنت»؟ قلت : من غفار ، فأهوى بيده ، فوضع أصابعه على جبهته ، فقلت في نفسي : كره أن انتميت إلى غفار ، فذهبت آخذ بيده ، فقدعني [٧] صاحبه ، وكان أعلم به مني ، فرفع رأسه ثم قال : «متى كنت هاهنا»؟ قلت : منذ ثلاثين بين ليلة ويوم ، قال : «فمن كان يطعمك؟» قلت : ما كان لي طعام إلّا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني ، فما وجدت على كبدي سخفة جوع. فقال رسول الله ٦ : «إنها مباركة ، إنها طعام طعم» [٨].
فقال أبو بكر : يا رسول الله ، ائذن لي في إطعامه الليلة ، فانطلق رسول الله ٦ ، وأبو بكر ، وانطلقت معهما ، ففتح أبو بكر بابا ، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف ، فكان ذلك أوّل طعام أكلته بها ، ثم غبرت ما غبرت [٩] ، ثم أتيت رسول الله ٦ ، فقال : «إنه قد وجهت لي
[١] النصب : الحجر أو الصنم ، وقد كانوا ينصبونه في الجاهلية ويذبحون عليه ، فيحمر بالدم ، أراد أنهم ضربوه حتى أدموه.
[٢] سخفة الجوع : رقته وضعفه وهزاله.
[٣] ليلة إضحيان أي مضيئة ومنورة.
[٤] أسمختهم جمع سماخ وهو الخرق الذي في الأذن ويفضي إلى الرأس ، والمراد هنا : آذانهم.
[٥] في مختصر ابن منظور وسير الأعلام : هابطتان.
[٦] أي كلمة كبيرة عظيمة لا شيء أقبح منها.
[٧] قدعني صاحبه : أي كفني ومنعني.
[٨] طعام طعم : أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام.
[٩] أي بقيت ما بقيت.