السعادة - المحمودي، الشيخ محمد باقر - الصفحة ١٨١ - ومن وصية له عليه السلام الى السبط الاكبر الامام الحسن المجتبى عليه السلام
ما يجتمع فيه الماء ويقوى فينفجر بنفسه عيونا والى ما يحتاج الى الحفر ليخرج الى القنوات، والى ما لا ينفع فيه الحفر وهو اليابس، وذلك لاختلاف جواهر الارض في صفاتها، فكذلك اختلاف النفوس في غريزة العقل.
ويدل على تفاوت العقل من جهة النقل ما روي: ان ابن سلام سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل في آخره وصف عظم العرش وان الملائكة قالت: يا ربنا هل خلقت شيئا أعظم من العرش ؟ قال: نعم العقل.
قالوا: وما بلغ من قدره ؟ قال: هيهات لا يحاط بعلمه، هل لكم علم بعدد الرمل ؟ قالوا: لا.
قال: فاني خلقت العقل اصنافا شتى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي حبة، ومنهم من اعطي حبتين، ومنهم الثلاث والاربع، ومنهم من اعطي فرقا، ومنهم من اعطي وسقا [٣٢] ومنهم أكثر من ذلك.
فان قلت: فما بال اقوام يذمون العقل والمعقول ؟ فاعلم ان السبب في ذلك ان الناس نقلوا اسم العقل والمعقول الى المجادلة والمناظرة بالمناقضات والالزامات وهي صنعة الكلام، فلم يقدروا على ان يقرروا عندهم انكم أخطأتم في التسمية، إذ كان ذلك لا ينمحي عن قلوبهم بعد تداول الالسنة، فذموا العقل والمعقول [اعني] المسمى به عندهم، فأما نور البصيرة الباطنة التي بها يعرف الله تعالى ويعرف صدق رسله، فكيف يتصور ذمه، وقد أثنى الله عليه، فان ذم ذلك فما الذي يحمد ؟ فان كان المحمود هو الشرع فبم علم صحة الشرع ؟ فان علم بالعقل المذموم الذي لا يوثق به فيكون الشرع ايضا مذموما، ولا يلتفت الى قول من يقول: (انه يدرك بعين اليقين ونور الايمان لا بالعقل)، فانا نريد بالعقل ما يريده هو بعين اليقين ونور الايمان، وهي الصفة الباطنة التي
[٣٢] الفرق: القسم من الشئ. والوسق: مكيال يكال به.