إدام القوت في ذكر بلدان حضر الموت - السيّد عبد الرحمن بن عبيد الله السقّاف - الصفحة ٧٣٨ - ـ ضواحي سيئون
لقد كانت بهم الفجير موضع العجّ والثّجّ [١] لا يشبهها إلّا منى في أيّام الحج ، فالشّفار من الذّبائح تسيل ، والطّهاة من المطابخ لا تميل.
| يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم | لا يسألون عن السّواد المقبل [٢] |
لا تخبو مصابيحهم طول اللّيل ، ثمّ بين ديارهم رباط الخيل ، أخبرني محفوظ هو يديّ بأنّه رأى ليلة الشّعبانيّة فيهم ثمانية عشر عنانا من جياد الصّافنات كلّهم بيض كرام ، لا يسودّ بينهم إلّا المطابخ والبرام [٣] ، ولا يعابون إلّا بمثل قول أبي هفّان [من المنسرح] :
| عيب بني مخلد سماحتهم | وأنّهم يتلفون ما ملكوا [٤] |
فلقد أطلق الجود ما بأيديهم ، حتّى صوّح ناديهم ، وأسرفوا في المكارم ، حتّى أثقلتهم المغارم.
| كانت لهم همم فرّقن بينهم | إذا القعايد عن أمثالها قعدوا [٥] | |
| فعل الجميل وتفريج الجليل وإع | طاء الجزيل الّذي لم يعطه أحد |
[١] العجّ : رفع الأصوات. الثّجّ : سيلان دماء الذّبائح.
[٢] البيت من الكامل ، وهو لسيّدنا حسّان بن ثابت رضي الله عنه في «ديوانه» (٣٦٢). يغشون : يزارون ولا تخلو منازلهم من الأضياف. والمعنى : هم قوم كرام ، دائم الدّوم عندهم ضيوف ، فألفت كلابهم منظر الضّيفان وما عادت تنبح على أحد.
[٣] البرام : القدور ، جمع : (برمة).
[٤] ما أجمل العيوب إذا كانت هكذا ، وهذا ما يسمّيه علماء البلاغة ب (المدح بما يشبه الذّمّ) ؛ كقول الشاعر :
| ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم | بهنّ فلول من قراع الكتائب |
فأنت عندما تسمع (ولا عيب فيهم غير أنّ) تظنّ أنّه سيذكر بعد هذا صفة من الصّفات المعيبة ، ولكنّك تفاجأ بقوله : (إنّ سيوفهم قد تكسّرت والتوت من كثرة قتالهم الأعداء). وهذه صفة مدح ، فتعلم أنّه لم يذكر صفة مشينة بل ذكر صفة مدح بأسلوب عربيّ جميل وهو : أسلوب المدح بما يشبه الذّمّ.
[٥] البيتان من البسيط.