إدام القوت في ذكر بلدان حضر الموت - السيّد عبد الرحمن بن عبيد الله السقّاف - الصفحة ٧٤٦ - ـ ضواحي سيئون
فإنّ أهاليهم يحنّون إليهم حنين العشار ، وتهتزّ لهم منهم الأشعار والأبشار ، وتتحدّر مدامعهم عندما إليهم يشار ، ومع ذلك فإنّنا نعيذهم بالله من قول بشّار [من الطّويل] :
| وأوبة مشتاق بغير دراهم | إلى أهله من أعظم الحدثان |
ومما أمرى العيون ، وأشوى الجفون من كتاب سيّره جدّنا المحسن لأحبابه بجاوة من روضة العلوم إذ ذاك مسجد طه حينما أخذه الطّرب ، وملأه الأنس بالرّب ، يصف لهم ما يجنون من المعارف ، ويتمتّعون به في ظلّها الوارف ، يحدوهم لناديهم ، ويشوقهم لواديهم ، ولا بدّ أن يصيب مهزّهم ، ويطبق محزّهم ، ويسيل شؤونهم ، ويرعف عيونهم ، ولئن انتثر الجمان ، وانحطّ الزّمان .. فلا يزال حبّ الأوطان من الإيمان.
| بلادي ـ وإن هانت مقاما ـ عزيزة | وأهلي وإن جاروا عليّ كرام [١] |
وقال بعض من أغزاه عثمان وجمّره [٢] [من الطّويل] :
| بلغنا إلى حلوان والقلب نازع | إلى أهل نجد أين حلوان من نجد | |
| لجثجاث نجد حين يضربه النّدى | أحبّ وأشهى عندنا من جنى الورد [٣] |
وغنّت حبابة بقول الأحوص [٤] [من الوافر] :
| لعمري إنّني لأحبّ سلعا | ومن قد حلّ في أكناف سلع | |
| حلفت بربّ مكّة والمصلّى | وأيدي السّابحات غداة جمع | |
| لأنت على التّداني والتّنائي | أحبّ إليّ من بصري وسمعي |
ثم تأوّهت آهة كادت تقضّب ضلوعها ، فقال لها الوليد : ما هذا؟ وأنا لو شئت حملت إليك سلعا حجرا حجرا ، فقالت : إنّما أحبّ المكان لأجل السّكّان ، وكان لها رباء بالمدينة.
[١] البيت من الطويل.
[٢] جمّره : حبسه في الثغر ومنعه عن العود إلى أهله.
[٣] الجثجاث : شجر أصفر ، مرّ ، طيب الريح.
[٤] القصة والأبيات في «الأغاني» (١٥ / ١٣٥).