إدام القوت في ذكر بلدان حضر الموت - السيّد عبد الرحمن بن عبيد الله السقّاف - الصفحة ٧٤٤ - ـ ضواحي سيئون
ويخلب اللّبّ ، وينير الفكر وينعش الرّوح ، ويبعث الذّكريات الجميلة ، ويوحي بالمعاني النّبيلة ، فأكاد أخرج عن جلدي ، وأغيب عن نفسي ، وألامس العالم القدسي ، وأتأكّد أن ليس بين الأدعية وبين سماء القبول حجاب ، وأن قد انفتح من الخير بشهادة القشعريرة وهيمنة الروحنة كلّ باب ، لا أفضل ولا أجمل ولا أروع ولا أبدع عندي من ذلك .. إلّا مجالسة بالروضة الشّريفة تجاه القبر الأعظم ، وقعودي على بطحاء أمّ المناسك عشيّات الأشتية إزاء البيت المعمور ، ثمّ أنثني على كبدي خشية أن تقطّع ، وألوث بردي على صدري حذار أن يتفلّق.
| فلو فلق الفؤاد شديد وجد | لهمّ سواد قلبي بانفلاقي [١] |
وما أشدّ رقّتي لأولئك الّذين يتشتّتون في البلدان ، ويفارقون هذه الأوطان.
| وارحمتا للغريب في البلد النّا | زح ماذا بنفسه صنعا [٢] | |
| فارق أحبابه فما انتفعوا | بالعيش من بعده وما انتفعا |
ولو أنّهم جمعوا قناطير الرّقين [٣] .. لما استعاضوا إلّا بتدارك اللّيالي اللّواتي بقين ، وماذا يفيدون وقد رضوا بالدّون ، وأبناؤهم يتامى ، وأزواجهم أيامى.
| كم غادة في ظلام اللّيل باكية | على أليف لها يهوي به الطّلب [٤] |
فالقلوب تنذاب ، والبين أكبر عذاب ، يبعث الشّجون ، ويكثر الدّجون ، ويشبه السّجون ، وما لي أرى الأحباب والأولاد يذهبون ثمّ لا يجيئون ، وقد قال القطب الحدّاد [في «ديوانه» ٩١ من البسيط] :
| مشتّتون بأطراف البلاد على | رغم الأنوف كما تهواه حسّاد |
[١] البيت من الوافر ، وهو لأمية بن الأسكر كما في «خزانة الأدب» (٦ / ٢٠).
[٢] البيتان من المنسرح ، وهما لعلي بن الجهم.
[٣] الرّقين : الدراهم.
[٤] البيت من البسيط ، وهو لحافظ إبراهيم في «ديوانه» (١ / ٢٦٩).