إدام القوت في ذكر بلدان حضر الموت - السيّد عبد الرحمن بن عبيد الله السقّاف - الصفحة ٥٨٩ - ذي أصبح
البحر [١] ، لقد كان علم هدى ، ومصباح دجى ، ومناط آمال ، وحمّال أثقال ، وغرّة زمان ، وحرز أمان ، ومعقل إيمان ، عقل الدّين عقل وعاية ورعاية ، لا عقل تدريس ورواية ، أمّا العبادة .. فيبيت صافّا قدميه إذا استثقلت بالمؤمنين الوسادة.
| يبيت يجافي جنبه عن فراشه | إذا استثقلت بالمخلصين المضاجع |
فلو زلزلت الأرض زلزالها .. لم يشعر بشيء مع استغراقه بالتّهجّد ، ولقد جرت له في ذلك أخبار لا نطيل بها ، من جنس ما وقع لابن الزّبير ؛ إذ صبّوا على رأسه الماء الشّديد الحرارة لمّا اتّهموه بالرّياء وهو ساجد فما أحسّ به.
ولقد كان يصلّي مرّة ومن ورائه الحبيب محمّد بن أحمد الحبشيّ وأخوه صالح وعتيق ـ السّابق ذكره ، الّذي كان لا يجازف قيد شعرة في تصوير الرّجال ـ ولمّا فرغوا .. قال عتيق : لقد تمثّلت واحدا نثر أمامنا صرّة من الرّيالات ونحن نصلّي ، فقلت في نفسي : أمّا حسن .. فلن يشعر بها أصلا ، وأمّا صالح .. فسيطاعن عليها ، وأمّا محمد .. فسيجمع بيديه ويقول : سبحان الله ، سبحان الله ، فبكى محمّد وقال : لقد جعلتني شرّهم ؛ إذ تلك سمة المنافقين.
وما تفرّسه عتيق هو عين الحقيقة ؛ أمّا الإمام البحر .. فقد زمّت التّقوى أموره ، وامتلك الإحسان شعوره ، فما هو إلّا ملك في المعنى وإن بقي إنسانا في الصورة.
| فما دهره إلّا جهاد يقوده | لإحقاق حقّ أو صلاة يقيمها [٢] |
كلّما حزبه أمر .. فزع إلى الصّلاة ، فيصير عندها الجبل الخشام [٣] كرمل الفلاة.
وأمّا الشّجاعة : فقد رادى جبال الجور فأزالها ، وكان لهاشم في النّجدة مثالها :
| رسا جبلا في الدّين فهو بنصره | إذا ما تراخى الصّادقون مكلّف |
[١] أفرده بالترجمة أستاذه ومعلمه الفقيه الشيخ عبد الله بن سعد بن سمير في كتاب سمّاه : «قلادة النحر في مناقب الحسن بن صالح البحر».
[٢] البيت من الطّويل.
[٣] الخشام : العظيم.