عصر الإمام السجاد، سياسياً و إجتماعياً - اليوسفي الغروي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨ - يزيد، وبنو زياد
وسألتني أن أحثّ الناس عليك وأخذّلهم عن ابن الزبير. فلا، ولا سرورا ولا حبورا! وأنت قتلت الحسين بن عليّ، بفيك الكثكث ولك الأثلب[١]، إنّك- إن تمنّك نفسك ذلك- لعازب الرأي! وإنّك لأنت المفنّد المتهوّر! لا تحسبني- لا أباً لك- نسيت قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطلب: مصابيح الدجى ونجوم الأعلام، غادرهم جنودك مصرّعين في صعيد، مرمّلين بالتراب، مسلوبين بالعراء لا مكفّنين، تسفى عليهم الرياح، وتعاورهم الذئاب، وتنشي بهم عرج الضّباع! حتّى أتاح اللّه لهم أقواماً لم يشتركوا في دمائهم، فأجنّوهم (ستروهم) في أكفانهم، وبي- واللّه- وبهم عززت وجلست مجلسك الذي جلست يا يزيد!
وما أنسى من الأشياء فلست بناس تسليطك عليهم الدّعيّ العاهر ابن العاهر، البعيد رحما، اللئيم أباً وأمّاً، الذي في ادّعاء أبيك إيّاه ما اكتسب أبوك به إلا العار والخزي والمذلّة في الآخرة والأولى، وفي الممات والمحيا؛ فإنّ نبيّ اللّه قال:
«الولد للفراش وللعاهر الحَجَر»
فألحقه بأبيه كما يلحق بالعفيف النقيّ ولده الرشيد! وقد أمات أبوك السنّة جهلا، وأحيا البدع والأحداث المضلّة عمدا!
وما أنسى من الأشياء فلست بناسٍ اطّرادك الحسين بن عليّ من حرم رسول اللّه إلى حرم اللّه، ودسّك إليه الرجال تغتاله، فأشخصته من حرم اللّه إلى الكوفة، فخرج منها خائفاً يترقّب، وقد كان أعزّ أهل البطحاء بالبطحاء قديما، وأعزّ أهلها بها حديثا، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوّأ بها مقاما واستَحلّ بها قتالًا، ولكن كره أن يكون هوالذي يستحلّ حرمة البيت وحرمة الحرم، فأكبر من ذلك ما لم تُكْبر حيث دسست إليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم، وما لم يُكْبر ابن الزبير، حيث ألحد بالبيت الحرام، وعرّضه للعائر وأراقل العالَم، وأنت- لأنت- المستحلّ فيما أظنّ بل لا شكّ فيه: إنّك للمحرّف العريف، فإنّك حليف نسوة
[١] . الكثكث: التراب، والإثلب كذلك.