عصر الإمام السجاد، سياسياً و إجتماعياً - اليوسفي الغروي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢ - يزيد، وبنو زياد
فسار ابن الحنفية (ببنيه) حتّى قدم الشام على يزيد، فلمّا استأذن أذن له وقرّبه وأدناه حتّى أجلسه معه على سريره، ثمّ أقبل عليه بوجهه وقال له: يا أبا القاسم؛ آجرك اللّه وإيّاك في أبي عبد اللّه الحسين! فواللّه لئن كان أوجعك فقد أوجعني! ولوكنت أنا المتولّي لحربه لما قتلته بل لدفعت القتل عنه ولو بجزّ أصابعي وذهاب بصري! ولفديته بجميع ما ملكت يدي! وإن كان نازعني حقّي وقطع رحمي وظلمني! ولكن عبيد اللّه بن زياد لم يعلم رأيي فيه من ذلك فعجّل عليه وقتله ولم يستدرك ما فات! وبعد فإنّه لم يكن يجب (يجوز!) على أخيك أن ينازعنا في أمر خصّنا اللّه به دون غيرنا! وليس يجب علينا أن نرضى بالدنيّة في حقّنا! وعزيز عليّ ما ناله! وهات ما عندك الآن يا أبا القاسم!
فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: قد سمعت كلامك، ورحم اللّه حسينا وبارك اللّه له فيما صار إليه من ثواب ربّه والخلد الدائم الطويل في جوار المَلِك الجليل. وقد علمنا أنّ ما عرانا من ترح فقد عراك وأنّ ما نقصنا فقد نقصك! وكذا أظنّ أن لو شهدت ذلك بنفسك لاخترت أفضل الرأي والعمل! ولجانبت أسوأ الفعل والخطل!
والآن فإنّ حاجتي إليك ألا تسمعني فيه ما أكره؛ فإنّه ابن أبي وأخي وشقيقي؛ وإن زعمت أنّه كان عدوّا لك وظالمك كما تقول!
فقال له يزيد: فإنّك لا تسمع منّي فيه إلا خيراً، ولكن هلمّ فبايعني! ثمّ اذكر ما عليك من الدّين حتى أقضيه لك!
فقال محمّد: أمّا البيعة فقد بايعتك! وأمّا ما ذكرت من أمر الدّين فما عليّ بحمد اللّه دين، فإنّي من اللّه تبارك وتعالى في كلّ نعمة سابغة لا أقوم بشكرها!
وكان خالد بن يزيد بن معاوية عند أبيه فالتفت يزيد إليه وقال له: يا بنيّ! إنّ ابن عمّك هذا! بعيد من الدنس والخبّ واللؤم والكذب، ولوكان غيره كبعض من عرفت لقال: عليّ من الدّين كذا وكذا، ليستغنم أخذ أموالنا! ثمّ أقبل يزيد على ابن الحنفيّة وقال له: بايعتني يا أبا القاسم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! قال: فإنّي أمرت لك بثلاثمائة ألف درهم! فقال محمّد: لا حاجة لي في هذا المال ولا