عصر الإمام السجاد، سياسياً و إجتماعياً - اليوسفي الغروي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٠ - يزيد، وبنو زياد
أقول: لا نجد فيما بأيدينا إلا أن عبد اللّه بن سعد في ميمنة التوّابين فبدؤوا القتال فحملوا على ربيعة الغنوي في ميسرة أهل الشام فهزموهم، مع أنّهم كانوا ثلاثة أضعاف التوّابين، ولم يكن عبد اللّه بن سعد في القلب ولا القائد العامّ، ولا ذكر أمر من سليمان، نعم كان التوّابون بلا شكّ أكثر اندفاعاً وحماساً. وحملت ميسرة التوّابين بإمرة الفزاريّ على جبلة بن عبد اللّه في ميمنة الشام، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم فهزموهم حتّى اضطرّوهم إلى معسكرهم من خلفهم، وما زال أهل العراق قاهرين حتّى مساء الأربعاء فانصرفوا.
وكان شرحبيل بن ذي الكلاع في ثمانية آلاف[١] وكان الحصين السّكوني ادّعى أنه على جماعتهم جميعاً، وأبى شرحبيل وقال: ما ولّيتَ عَليَّ! ثمّ تكاتبا إلى ابن زياد ينتظران أمره، وكان ابن ذي الكلاع على رأس ميل من عسكر ابن نمير[٢] ولم ينصره! وبلغ خبره إلى ابن زياد فبعث إليه يشتمه ويقول له: إنّما عملت عمل الشباب الأغمار تضيع عسكرك ومسالحك! سر إلى الحصين بن نمير حتّى توافيه، وهو على الناس. فجاءه بجمعه، فتكاملوا عشرين ألفا إلا من أصيب منهم يوم أمس[٣].
وعَبّر الخبر عمّن شهد قتال التوّابين والشاميّين في اليوم الثاني: الخميس، قال: فغدوا علينا وغاديناهم فقاتلناهم. ولعلّه يعني أنّ الشاميّين بدؤوهم، ويقول: قتالًا لم ير الشيب والمرد مثله قط، يومنا كلّه. وإنّما حجزت الصلاة (للظهر والعصر) بيننا وبين القتال، حتّى أمسينا، فتحاجزنا؛ وقد أكثروا فينا الجراح، وأفشيناها فيهم. وفي أوّل النهار في هذا اليوم الثاني من القتال جرح أبو الجويرية العبدي
[١] . تاريخ الطبري ٥٩٨: ٥ عن أبي مخنف.
[٢] . المصدر السابق ٥٩٧: ٥ عن أبي مخنف.
[٣] . مرّ أنّ ابن الخيّاط بلغ بهم إلى ستّين ألفاً، واكتفى ابن الأعثم بعشرين ألفاً، ورجّحه الدكتور بيضون في كتابه: سليمان بن صرد: ١٤٨، ووصف الأوّل بأنّه احتوى على كثير من المبالغة، وهذا صحيح.